تعرض الآن النسخة الكاملة · خط أكبر 20%

المعرفة بعمق · اراء و تقارير · مقالات · دراسات وابحاث

ابحث في العمق

مقالات · الوسط

هرمجدون إيران.. هل بات ترمب قريبا من الضربة النووية؟

بقلم: إيفانا نيكوليتش هويز وبيتر كوزنيك

· 5 دقائق قراءة

113
هرمجدون إيران.. هل بات ترمب قريبا من الضربة النووية؟

عمان 1 - إيفانا نيكوليتش هويز وبيتر كوزنيك

تشغل منصب رئيسة مؤسسة سلام العصر النووي. أستاذ التاريخ ومدير معهد الدراسات النووية في الجامعة الأمريكية بواشنطن العاصمة.

يمكن القول إن تهديدات دونالد ترمب بإبادة إيران هي أسوأ ما صرّح به علنا منذ عودته إلى البيت الأبيض. ولا يرجع ذلك فقط إلى أن هذه التصريحات المتكررة منافية للمبادئ إلى حد بعيد ومخالفة للقانون -إذ إن القتل المتعمد للمدنيين جريمة حرب– بل لأنها تمثل ذلك النوع من الخطاب العنيف الذي سيقودنا إلى فناء عالمي، وإلى انهيار لا يطال الأمة الفارسية فحسب، بل الحضارة الإنسانية برمّتها.

ولا يمكن التماس العذر لهذا النوع من الخطاب أو تبريره أو التغاضي عنه، والسؤال الوحيد المطروح هو: ماذا نفعل حياله؟

ومهما رغب بعض ذوي النوايا الحسنة في النظر إلى الأسلحة النووية باعتبارها أدوات أنهت الحرب العالمية الثانية وحفظت السلام منذ ذلك الحين، فإن العكس تماما هو ما حدث في الواقع. فقد أزهقت الأسلحة النووية بوحشية أرواح مئات الآلاف من المدنيين في هيروشيما وناغازاكي، وأصابت مئات الآلاف غيرهم، وحكمت عليهم بسنوات وعقود من المرض والمعاناة. وكما سبق أن كتبنا، كانت هناك بدائل عديدة لإنهاء الحرب عام 1945.

وقد أسهمت الرواية الزائفة القائلة إن القصف الذري حال دون الغزو وأنقذ الأرواح -من نواحٍ عدة- في إدامة الأسلحة النووية، فرفعت المخاطر التي تهدد بقاء البشرية إلى مستويات لم تكن متخيَّلة من قبل.

ونجح تحويل البداية الدموية للعصر النووي إلى أمر إيجابي في تعقيد قضية ما كان ينبغي لها أن تُعقَّد أصلا، وفي التعتيم عليها. لقد كانت الأسلحة النووية -ولا تزال- منافية للأخلاق، وينبغي أن تكون حيازتها مخالفة للقانون.

ورغم أن نهاية الحرب العالمية الثانية تزامنت مع ظهور الأسلحة النووية، ورغم أننا لم نخض -من الناحية التقنية- حربا عالمية أخرى منذ ذلك الحين، فإن الأمر لا يعدو كونه مجرد تلازم زمني. فقد شهدت الفترة ذاتها تحولات كبرى أخرى في عالمنا، من بينها تأسيس الأمم المتحدة، والتقدم التكنولوجي والعلمي، وعولمة التجارة. ويحق للمرء فوق ذلك أن يتساءل: سلامُ مَن هذا الذي نتحدث عنه؟

فمنذ عام 1945، لقي أكثر من 20 مليون شخص حتفهم في نزاعات مسلحة حول العالم، فضلا عمّا يصل إلى 50 مليون حالة وفاة أخرى غير مباشرة ناجمة عن تلك النزاعات. ويشهد كوكبنا اليوم قرابة 100 نزاع مسلح وفقا لأكاديمية جنيف، من بينها 25 نزاعا مسلحا دوليا تشارك فيها أكثر من دولة واحدة.

وطوال هذه المدة، ظلت البشرية -إلى جانب الموت والمعاناة في مناطق الحرب على امتداد الكوكب، والثمن المروّع الذي يفرضه الفقر وانعدام المساواة- تنتظر في عجز يكاد يكون تاما أن ينفجر سلاح نووي آخر عن طريق الخطأ أو سوء التقدير أو عن عمد، بما قد يُشعل على الأرجح حربا نووية شاملة تُستخدم فيها عشرات بل آلاف الأسلحة النووية.

وقد شهدت العقود الثمانية الماضية حوادث عديدة أوقفت فيها حكمةُ البشر ونُبلهم، أو محضُ الحظ، مسارا من الأحداث بدا أنه يقود حتما إلى حرب نووية. لم تجلب الأسلحة النووية السلام، بل على العكس تماما، فهي تهدد كل يوم ما تبقّى لنا منه على قلّته.

ومع ذلك صرّح ترمب أيضا -على الرغم من كل تهديداته على منصة "تروث سوشيال"، وآخرها في أروقة الأمم المتحدة- بأن الأسلحة النووية "يمكنها تدمير العالم 50 مرة، بل 100 مرة"، داعيا إلى "نزع السلاح النووي". بل إنه بعد يومين من تصريحه غير المقبول أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/ أيلول بشأن "دفع إيران إلى الجحيم دون أي فرصة للنجاة، ودون أي أمل في عظمة مستقبلية"، اقترح ترمب على الرئيس شي في واشنطن عقد قمة نووية تجمع الصين وروسيا والولايات المتحدة.

وقد فعل ترمب ذلك وهو يدرك تمام الإدراك أن مشاركة الحكومة الصينية في مفاوضات الحد من التسلح مشروطة بتحقيق بكين تكافؤا تقريبيا مع الترسانتين النوويتين لواشنطن وموسكو. وينبغي السعي إلى هذا التكافؤ لا بمواصلة الصين توسيع ترسانتها حتى تبلغ الحجم الهائل للترسانتين الأمريكية والروسية، بل بتقليص الولايات المتحدة وروسيا ترسانتيهما إلى حجم الترسانة الصينية، وتبنّي مطلب بكين باعتماد سياسة شاملة تقوم على عدم المبادرة إلى استخدام السلاح النووي.

ومنذ تهديده الأخير، الذي أطلقه من أرفع منبر دبلوماسي في العالم، خلافا لخطاباته الغاضبة السابقة على "تروث سوشيال"، ومنها ما كتبه في 7 أبريل/ نيسان من أن "حضارة بأكملها ستموت الليلة، ولن تعود أبدا"، بدا ترمب في أحد التجمعات الانتخابية وكأنه يرحّب فعلا بتدمير إيران لمدينتَي لوس أنجلوس وسان دييغو.

وحتى لو زعم الآن -على نحو غير مقنع- أن المقاطع الأصلية، التي أوحت بأن هذا الدمار ثمن زهيد يستحق الدفع، قد اقتُطعت من سياقها، وأن الثمن الزهيد كان يتعلق بسعر البنزين، فليس مما يبعث على الطمأنينة أن يتحدث رئيس الولايات المتحدة عن قنابل نووية تنفجر فوق مدن أمريكية، ناهيك عن أن إيران لا تمتلك أسلحة نووية ولا القدرة على إطلاق صواريخ نحو الأراضي الأمريكية. ويبدو أن هرمجدون النووية تشغل بال ترمب.

فهل اختفى مطوّر العقارات الذي بدا أنه يدرك أن بناء المدن الحديثة يتطلب جهدا كبيرا ورؤوس أموال طائلة وإبداعا بشريا، ناهيك عن الوقت؟ وماذا حلّ برجل الأعمال الذي "استدعى الدكتور برنارد لاون، من الرابطة الدولية للأطباء من أجل منع الحرب النووية (IPPNW)، إلى برج ترمب لعقد اجتماع" عام 1986؟ فقد طلب ترمب حينها مشورة الدكتور لاون بشأن التفاوض على اتفاقيات للأسلحة النووية مع ميخائيل غورباتشوف، بعد عام واحد فقط من فوز الرابطة بجائزة نوبل للسلام.

فهل غاب ذلك الشخص، أم إن تصريحاته بشأن "نزع السلاح النووي" تبعث على شيء من الأمل؟

ويقف البابا ليو الرابع عشر في صف الرافضين للبقاء مكتوفي الأيدي إزاء كل ذلك، فهو لم يكتفِ باستنكار الحرب والدعوة إلى نزع السلاح النووي، بل ندّد مؤخرا بالقادة -ومن بينهم ترمب على الأرجح- الذين "بدؤوا يتحدثون عن أسلحة نووية وحروب تزداد تدميرا أكثر فأكثر"، وحثّ القادة على "أن يجتمعوا ويجلسوا معا، وينخرطوا في الحوار".

وكان الكرسي الرسولي من الأطراف الأصلية في معاهدة حظر الأسلحة النووية، ولا يزال من أشد الداعمين لإلغاء هذا النوع من الأسلحة. وقد آن الأوان لأن يستخدم البابا، متحدثا باسم الكوكب، سلطته الأخلاقية الفريدة للمطالبة بعقد قمة طارئة تضم على الأقل ترمب وشي وبوتين، لإخراجنا من مسار الحرب هذا ومن خطر الفناء النووي المحتمل.

ويتعين على كل واحد منا، إلى جانب مطالبة الآخرين بمثل هذه الخطوات، أن يفكر مليّا وطويلا فيما يمكنه فعله للتصدي لكوارث تهديدات ترمب وجنون الأسلحة النووية.

من مقالات

أحدث الأخبار