تعرض الآن النسخة الكاملة · خط أكبر 20%

المعرفة بعمق · اراء و تقارير · مقالات · دراسات وابحاث

ابحث في العمق

دراسات وابحاث · الجذر

بمثابة ضربة نووية.. كيف انطفأت عيون الأوكرانيين في الميدان؟

· 5 دقائق قراءة

113
بمثابة ضربة نووية.. كيف انطفأت عيون الأوكرانيين في الميدان؟

عمان 1 - "تقييد خدمات ستارلينك يُشبه هجوما نوويا علينا وجميع العمليات مُعلقة وسيكلفنا هذا الكثير من الأرواح"، بهذه العبارة لخّص ضابط أوكراني يقود وحدة طائرات مسيّرة هلع الخطوط الأمامية في بلاده. ففي حرب تعتمد نتيجتها على البيانات وبثوث الأقمار الصناعية بقدر ما تعتمد على الحديد والنار، وجدت أوكرانيا نفسها في مواجهة نوع جديد من الصدمات.

وبين عشية وضحاها، ووسط ضغوط سياسية تتصاعد في واشنطن مع اقتراب موعد الانتخابات، أقدمت شركة "سبيس إكس" على فرض قيود صارمة على حركة وسرعة محطات "ستارلينك" العسكرية على الجبهة.

هذا الإجراء المفاجئ لم يقتصر وقعه على كونه مجرد تباطؤ تقني، بل جمّد العمليات الهجومية، وحرم القوات الأوكرانية من أهم "عيونها الرقمية"، فماذا يعني تقييد خدمات ستارلينك في أوكرانيا وكيف سيؤثر على سير المعارك هناك؟

ما الذي حدث؟

أعلن مسؤولون أوكرانيون -الأربعاء- أن شركة ستارلينك فرضت قيودا على بعض خدماتها في أوكرانيا، مما أدى إلى تعطيل مهام الطائرات المسيّرة القتالية التي تعتبر هذه التقنية شريان حياة بالنسبة لها.

تعتبر محطات الإنترنت عبر الأقمار الصناعية التابعة لشركة إيلون ماسك عنصرا حيويا لتوجيه ضربات الطائرات المسيّرة الأوكرانية بعيدة المدى في جنوب وشرق أوكرانيا، وهي التي ألحقت دمارا باللوجيستيات الروسية.

ويبدو أن التعطيل كان مفاجئا؛ إذ كتب مستشار الرئاسة سيرهي بيسكريستنوف على تطبيق تليغرام: "لم تتلقَّ قواتنا الدفاعية تحذيرا بشأن هذا القيد، وقد أدى ذلك إلى تعطيل عدة مهام"، مضيفا أن القيد أثر على ستارشيلد، وهي خدمة سبيس إكس العسكرية والمخابراتية.

ومع ذلك، كانت هناك إشارات إنذار مبكرة؛ إذ أبلغ أحد المسؤولين الأوكرانيين عن توجيه الطائرات دون طيار، والذي يشغل طائرات هجومية متوسطة المدى، عن مشاكل اتصال حادة في 11 و12 سبتمبر/أيلول الماضي، بالإضافة إلى المزيد من الانقطاعات في 17 سبتمبر/أيلول الماضي.

وقال بيسكريستنوف إن "سبيس إكس" أوقفت تشغيل نسختها المخصصة للأغراض العسكرية عند سرعات تتجاوز 100 ميل في الساعة (160 كيلومترا/ساعة)، غير أن الاضطرابات الميدانية لم تقتصر على هذه السرعة، حيث أكد مسؤول بوزارة الدفاع الأوكرانية أن التقييد أثر على طيف واسع من السرعات تبدأ من 72 كيلومترا/ساعة، في حين قال مصدر بوزارة الدفاع لرويترز إن وحدات عسكرية أبلغت عن فقدان أنظمة التوجيه اتصالها عند سرعات ⁠تقل عن نصف ذلك.

ونقلت رويترز عن مصدر في وزارة الدفاع ومصدر عسكري آخر إن حد السرعة يعرقل قدرة أوكرانيا على تنفيذ ضربات ضد أهداف روسية داخل أوكرانيا أو الدفاع عن نفسها في مواجهة الطائرات المسيّرة الروسية باستخدام طائراتها المسيّرة الاعتراضية.

وسرعان ما أعلن فيلق الرد السريع السابع الأوكراني، المنتشر في الجنوب الشرقي، أن الوحدات أُجبرت على إلغاء بعض المهام.

ويأتي هذا التعطيل في وقت حساس إذ تعيش كييف تحت ضغط من واشنطن على الرغم من أنه لم يكن من الواضح على الفور سبب تقييد خدمة ستارلينك، غير أن هذه الخطوة تأتي في وقت تمارس فيه واشنطن ضغوطا على كييف لوقف الضربات على مصافي النفط الروسية.

ولا تعمل ستارلينك داخل روسيا، وتستخدم الطائرات الأوكرانية دون طيار التي تضرب قطاع النفط الروسي وسائل اتصال أخرى، إلا أن الأوكرانيين يؤكدون أن الإجراء الأخير وجّه ضربة قاسية للعمليات الميدانية لقواتهم.

ماذا يعني تقييد ستارلينك بالنسبة للأوكرانيين؟

أدت القيود المعلنة إلى إحياء سؤال كان القادة الأوكرانيون قلقين بشأنه لسنوات طويلة وهو إلى أي مدى يمكن الاعتماد على خدمة تسيطر عليها شركة أمريكية في اتصالات ساحة المعركة في البلاد.

يقول جنود أوكرانيون إن القيود المفروضة أوقفت بعض غارات الطائرات المسيّرة متوسطة المدى فوق أوكرانيا، مما عرقل الهجمات على الإمدادات اللوجيستية الروسية، وقلّص الدعم المقدم للقوات الأوكرانية على الخطوط الأمامية.

ونقل موقع بوليتيكو عن ضابط أوكراني من الخطوط الأمامية قوله إن القيود أدت إلى توقف جميع عمليات الضربات متوسطة المدى بشكل كامل، بما في ذلك تلك التي تستخدم أنظمة تعتمد على الشبكات اللاسلكية.

وتعتمد هذه الأنظمة على طائرة مسيّرة واحدة مزودة بتقنية ستارلينك لاستقبال الإشارات وإعادة بثها إلى طائرات مسيّرة أخرى متصلة عبر شبكة لاسلكية، مما يسمح لها بضرب أهداف في عمق الأراضي التي تسيطر عليها روسيا أو في مناطق محمية بشكل كبير بأنظمة الحرب الإلكترونية الروسية.

وتشمل هذه الأهداف منطقة دونيتسك، وطريق نوفوروسيا السريع ذا الأهمية الإستراتيجية الذي يربط روسيا بشبه جزيرة القرم، وشبه جزيرة القرم نفسها، ومنطقة كيرتش، والبحر الأسود.

أما عن تأثير التعطيل فتابع الضابط الذي تحدث لموقع بوليتيكو قائلا إن الجيش في الخطوط الأمامية لم يعد قادرا على القتال بفعالية لدعم المشاة في ساحة المعركة، ولم يعد قادرا على ضرب راجمات الصواريخ المتعددة، والمدفعية الثقيلة ذاتية الدفع التي زوّدت بها كوريا الشمالية القوات الروسية والمتمركزة في عمق خطوط "العدو"، ومستودعات الذخيرة، ومراكز القيادة.

وتكمن المشكلة -وفقا لما قالت المديرة التنفيذية لشركة تصنيع الصواريخ والمسيّرات الأوكرانية "فاير بوينت"، لصحيفة بوليتيكو- في أن الخطوط الأمامية الأوكرانية تعتمد بشكل كبير على الطائرات المسيّرة متوسطة المدى التي تشغلها شركة ستارلينك.

وقبل تعطيل ستارلينك بدأت القوات المسلحة في كييف بتجهيز طائرات الهجوم متوسطة المدى على نطاق واسع بمحطات ستارلينك، أما اليوم ومن دونها ستصبح العمليات أكثر تعقيدا بشكل كبير، فعلى سبيل المثال، سيتعين على الجيش العودة للوسائل التقليدية من قبيل حساب ارتفاعات التضاريس ومدى توفر الهوائيات بنفسه، بالإضافة إلى تركيب معدات اتصالات إضافية، وفقا لتقرير موقع بوليتيكو.

ممَّ يخشى الأوكرانيون؟

تمكنت طائرات الهجوم الأوكرانية متوسطة المدى من إلحاق أضرار جسيمة بالإمدادات اللوجيستية الروسية في مناطق الخطوط الأمامية، وأسهمت هذه الطائرات في تعطيل إمدادات الوقود والذخيرة والمعدات العسكرية الأخرى، مما أدى إلى إبطاء تقدم روسيا عسكريا.

أما الآن وبعد القيود المفروضة على استخدام ستارلينك يخشى الأوكرانيون أن تنتهز القوات الروسية هذه الفرصة لتعزيز مواقعها.

وحذر الضابط الذي تحدث للموقع قائلا: "ابتداءً من اليوم، سيعمل العدو على تعزيز طرق الإمداد اللوجيستي إلى شبه جزيرة القرم لتعزيز قواته هناك".

وعبّر أحد الضباط عن مخاوفه قائلا "أنا والعديد من زملائي نشعر بقلق بالغ حيال كيفية استمرار عملنا دون خدمة ستارلينك. لقد ناقشنا هذا السؤال عدة مرات مع مسؤولينا: ماذا لو قام إيلون ماسك أو أي شخص في شركة سبيس إكس بإيقاف تشغيلها؟".

ومنذ أن شنت روسيا حربا ضد أوكرانيا، أصبح نظام ستارلينك محوريا في المجهود الحربي لكييف، ففي ربيع عام 2022، استخدم المدافعون الأوكرانيون المحاصرون في مدينة ماريوبول أقمارا صناعية تشغلها شركة سبيس إكس لإرسال رسائل إلى العالم الخارجي.

ويأتي تباطؤ حركة محطات ستارلينك في ظل ضغوط شديدة يمارسها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على أوكرانيا لوقف مهاجمة المصافي الروسية. وذلك عقب اتفاقه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على طرح كميات من الديزل في الأسواق العالمية، في إطار مساعي ترمب لخفض أسعار الوقود قبيل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الشهر المقبل.

من دراسات وابحاث

أحدث الأخبار