تعرض الآن النسخة الكاملة · خط أكبر 20%
الأربعاء، 14 تشرين الأول 2026عمّان 20°غيوم قاتمةبورصة عمّان4,180.95▲ 0.32%

المعرفة بعمق · اراء و تقارير · مقالات · دراسات وابحاث

ابحث في العمق

مقالات · الوسط

بعد سبع سنوات.. هذا هو الوضع في تونس على يد قيس سعيد

بقلم: جمال الطاهر

· 7 دقائق قراءة

115
بعد سبع سنوات.. هذا هو الوضع في تونس على يد قيس سعيد

عمان 1 - جمال الطاهر

باحث وإعلامي تونسي في مونتريال - كندا.

بعد سبع سنوات من اعتلائه سدة الرئاسة، وخمس سنوات من إجراءات 25 يوليو/تموز 2021 التي دشّنت مسارا سياسيا جديدا في تونس، لم يعد السؤال مقتصرا على حصيلة أداء الرئيس قيس سعيّد أو مدى نجاحه في تنفيذ وعوده، بل أصبح السؤال يتعلّق بأسباب استمرار الأزمة ومآلات البلاد.

لماذا لم تنجح الخيارات الجديدة في تجاوز المأزق الذي قامت بدعوى معالجته؟ وما مسؤولية مختلف الفاعلين، من سلطة ومعارضة ومجتمع مدني، فيما آلت إليه الأوضاع؟ والأهم، كيف يمكن استعادة المبادرة الوطنية وبناء أفق للخروج من الأزمة، وتجنب استمرار التراجع وما قد يترتب عليه من مخاطر على استقرار البلاد ووحدتها؟

عموما، لا يمكن اختزال هذه الأزمة في شخص الرئيس وحده، رغم مسؤوليته الأساسية عن خيارات الحكم والنتائج المترتبة عليها، كما لا يمكن إعفاء بقية الفاعلين من مسؤولياتهم. فقد كشفت السنوات الماضية محدودية أداء السلطة، وهشاشة المعارضة وعجزها عن بناء بديل جامع، وحدود قدرة المجتمع المدني على التأثير في مسار الأحداث.

وهكذا، أصبحت تونس أمام أزمة تتجاوز أداء الحكام إلى أزمة في نظام الحكم، والثقة والتمثيل السياسي، وقدرة القوى الوطنية على استعادة المبادرة وصياغة مشروع مشترك للخروج من المأزق.

أولا: سلطة احتكرت القرار وعجزت عن تحقيق مشروعها

لا يمكن فهم مسار 25 يوليو/تموز بمعزل عن الأزمة الحقيقية التي عاشتها تونس قبله. فقد كانت البلاد تعاني انسدادا سياسيا، وصراعات حزبية، وتراجعا في الثقة بالمؤسسات، وعجزا عن الاستجابة للمطالب الاجتماعية والاقتصادية.

وكانت الحاجة فعلا قائمة إلى أفكار جديدة وآليات مختلفة، وربما إلى فاعلين جدد، لتجاوز المأزق وإصلاح منظومة الحكم.

وقد لامست الأفكار التي طرحها قيس سعيّد لتبرير انقلابه مشكلات حقيقية وانتظارات شعبية مشروعة، من مكافحة الفساد إلى تجاوز الصراعات الحزبية واستعادة فاعلية الدولة.

غير أن الإشكال ظهر في المقاربة الشعبوية التي اعتمدها، إذ حوّلت تلك المطالب إلى شعارات، دون أن تقترن بمشروع واقعي متكامل وآليات واضحة للتنفيذ والمساءلة. فالشعبوية تنطلق من تشخيص صحيح للمشكلات، لكنها تقدم لها معالجات لا تستند بالضرورة إلى رؤية متماسكة أو إلى شروط عملية لتحقيقها.

وقد تجسّد إخفاق هذا المسار في طريقة إدارة الشأن العام، وفي الخلط بين القناعات الشخصية ومتطلبات الحكم الرشيد. فبدل بناء مؤسسات فعالة ومستقلة، قادرة على الإصلاح والمحاسبة، اتجه المسار الجديد إلى تركيز السلطات وإضعاف المؤسسات الوسيطة، وتضييق المجال السياسي وملاحقة أبرز الفاعلين السياسيين والمدنيين.

لكن امتلاك السلطة وتركيز القرار لم يؤدّيا إلى تحقيق الوعود بالاستقرار والتنمية والعدالة الاجتماعية، بل أضعفا آليات الرقابة وتصحيح الأخطاء، وزادا من صعوبة مساءلة أصحاب القرار. فمكافحة الفساد تتطلب قضاء مستقلا ورقابة فعالة وشفافية في التصرف في المال العام، كما أن استعادة السيادة لا تتحقق بقوة الخطاب وحدها، بل بقدرة الدولة على توفير حاجات المواطنين وتحسين الخدمات وخلق فرص العمل وحماية القرار الوطني.

لقد أخفق قيس سعيّد في تحقيق جانب أساسي من الوعود التي برّر بها مساره، مثلما أخفقت المنظومة السابقة في معالجة أزمات البلاد. غير أن كلفة الإخفاق الحالي تتجاوز تعثر السياسات، بالنظر إلى ما أصاب مكاسب الثورة من تراجع، وفي مقدمتها الحريات والديمقراطية والتداول السلمي على السلطة.

ثانيا: معارضة تتطور ببطء ولم تحوّل رفض الانقلاب إلى بديل جامع

إذا كانت السلطة قد أخفقت في تحويل مشروعها إلى واقع يستجيب لتطلعات التونسيين، فإن المعارضة بدورها لم تنجح بعد في بناء حالة سياسية جامعة قادرة على تقديم بديل مقنع، وإنهاء مسار 25 يوليو/تموز واستعادة المسار الديمقراطي. غير أن تقييم أداء المعارضة يقتضي الإقرار ببعض التطور الذي بدأ يشهده خطابها وممارستها السياسية، دون المبالغة في تقدير مداه أو التقليل من الصعوبات التي لا تزال تعترضه.

لقد واجهت القوى المعارضة مسارا اتسم بتضييق المجال العام وارتفاع كلفة النشاط السياسي، ولا يجوز التقليل من أثر الملاحقات والسجون والتهجير والقيود المفروضة على العمل السياسي في إضعاف الأحزاب والتنظيمات.

لكن هذه الظروف، على خطورتها، لا تكفي وحدها لتفسير تعثر المعارضة، الذي يرتبط أيضا بتراكمات الصراع خلال سنوات الانتقال الديمقراطي وما قبله، وباستمرار الخلافات الأيديولوجية والحسابات الحزبية والشخصية، وبالعجز عن تحويل التعدد إلى قوة عمل مشترك.

ومع ذلك، بدأت تبرز داخل فضاء المعارضة مؤشرات على مراجعة بعض المقاربات السابقة، ولا سيما خطاب الاستئصال والتنافي، والتوجه نحو الالتقاء حول حد أدنى ديمقراطي قوامه رفض الاستبداد، والدفاع عن الحريات، واستقلال القضاء، واستعادة المؤسسات الدستورية.

وقد تجلّى هذا التطور في عدد من المناشط والفعاليات السياسية والميدانية التي جمعت أطرافا مختلفة من المعارضة، كما برز في النقاش الفكري والسياسي المتنامي حول ضرورة تجاوز منطق الإقصاء، والاعتراف المتبادل، وإمكانية التعايش والعمل المشترك رغم الاختلافات الأيديولوجية والسياسية.

وتقدم تجربة عائلات المساجين السياسيين مثالا دالا على إمكان الالتقاء حول أرضية مشتركة رغم عمق الانقسامات. فقد استطاعت عائلات تنتمي إلى تيارات سياسية وفكرية مختلفة أن تجتمع حول مطلب إطلاق سراح ذويها، والدفاع عن ضمانات المحاكمة العادلة واحترام الحقوق والحريات.

ولا تقتصر أهمية هذه التجربة على بعدها الإنساني والحقوقي، بل تكمن أيضا في دلالتها السياسية إذ أظهرت أن وضوح القضية وتحديد الهدف المشترك يمكن أن يفتحا مجالا للتعاون بين أطراف فرّقتها خلافات طويلة.

يذكّر هذا النموذج بأن التوافق لا يقتضي تطابق المواقف أو محو الاختلافات، بل القدرة على تحديد ما يجمع القوى المختلفة والعمل من أجله. كما أن الدفاع عن الحقوق لا يستقيم بالانتقائية، ولا يمكن بناء ثقافة ديمقراطية حقيقية دون احترام حقوق المختلفين، بمن فيهم الخصوم السياسيون.

ومع أن تجربة العائلات لا تعوّض دور الأحزاب والمنظمات ولا تقع على عاتقها مسؤولية بناء البديل السياسي، فإنها تقدم درسا مهما للفاعلين السياسيين والمدنيين في كيفية تحويل التضامن حول قضية محددة إلى مدخل لتوسيع الثقة وبناء مساحات مشتركة.

لكن هذه الديناميكية لا تزال في طور التشكل، وتواجه مقاومة من داخل المعارضة نفسها، حيث تستمر مواقف متوجسة من التوافق، وتبقى حسابات الماضي والخلافات الأيديولوجية حاضرة في تحديد العلاقات بين مكوناتها. كما تواجه حملات رفض وتشكيك من أطراف سياسية داعمة لمسار 25 يوليو/تموز، بما يحدّ من فرص توسيع مساحة التفاهم وإقناع الرأي العام بجدوى العمل المشترك.

ثالثا: الشعب بين خيبة الأمل واللامبالاة وفقدان الثقة في التغيير

لا يمكن فهم المشهد التونسي من دون التوقف عند حالة المجتمع نفسه. فبعد سنوات من الانتظارات المتراكمة والصراعات السياسية وتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، يبدو أن قطاعات واسعة من التونسيين قد أصابها الإحباط، وانسحبت من المجال العام، أو باتت تنظر إلى السياسة باعتبارها شأنا لا يغير شيئا في حياتها.

ولم تعد هذه الحالة تعبيرا عن فقدان الثقة في الأحزاب والنخب السياسية وحدها، بل امتدت أيضا إلى السلطة التي رفعت شعارات التغيير ومكافحة الفساد وتحسين أوضاع المواطنين، دون أن تحقق ما انتظروه منها.

وتكمن خطورة هذا الوضع في أن اللامبالاة واليأس من إمكان التغيير أصبحا من الأسباب الرئيسية التي تساعد على استمرار حكم قيس سعيّد، رغم ما أفرزته خياراته من نتائج وتداعيات كارثية على الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وما خلّفته من أعباء على حياة المواطنين ومعيشتهم.

فاستمرار الحكم لا يعني بالضرورة تجدد الثقة فيه أو الاقتناع بأدائه، بل قد يكون نتيجة تراجع الأمل في التغيير، وغياب البديل المقنع، وتشتت المعارضة، ليتحول اليأس من التغيير إلى عامل يطيل عمر الأزمة.

وقد تتخذ هذه الحالة أشكالا مختلفة، أهمها العزوف عن المشاركة السياسية، وعدم الاكتراث بما يجري في البلاد، والانشغال بتدبير شؤون الحياة اليومية، أو الهجرة بحثا عن مستقبل أفضل. وهي استجابات يمكن فهمها في ضوء تراكم الخيبات والضغوط الاقتصادية والاجتماعية، والخوف من كلفة التعبير عن الرأي في فضاء تضيق فيه مساحات الاختلاف.

لكنها، مهما كانت مبرراتها، تترك آثارا سياسية عميقة؛ فكلما تراجع انخراط المواطنين في الشأن العام، ضعفت الرقابة المجتمعية، واتسعت مساحة القرار المنفرد، وتراجعت قدرة المجتمع على فرض أولوياته ومحاسبة المسؤولين.

ومع ذلك، سيكون من الخطأ تحميل التونسيين وحدهم مسؤولية هذا الوضع، أو اختزال عزوفهم في اللامبالاة. فالمشاركة تحتاج إلى شروط تضمن حرية التعبير والتنظيم، وإلى مؤسسات تحظى بثقة المواطنين، وقوى سياسية قادرة على الإصغاء إلى مشاغلهم وتقديم بدائل واقعية.

كما أن استعادة الثقة لا يمكن أن تتم بمجرد الدعوة إلى المشاركة، بل تتطلب إقناع الناس بأن الفعل الجماعي قادر على إحداث التغيير، وأن السياسة ليست مجرد صراع على السلطة، وإنما وسيلة لتحسين حياتهم وصون حقوقهم وكرامتهم.

لذلك، فإن التحدي اليوم لا يتمثل في لوم الشعب على انسحابه، بل في كسر حلقة الإحباط المتبادل بين المواطنين والفاعلين السياسيين، وإعادة بناء الصلة بين المجتمع والشأن العام، انطلاقا من القضايا التي تمس حياته مباشرة مثل التشغيل، والقدرة الشرائية، والصحة، والتعليم، والعدالة الجهوية، والكرامة، والحريات.

فاستمرار اليأس لا يعمّق أزمة الثقة فحسب، بل يضعف أيضا إمكان التغيير، ويترك المجال مفتوحا لاستمرار الأوضاع القائمة حتى عندما تتزايد كلفتها على المجتمع.

تونس ليست محكومة بالفشل

إن تونس ليست محكومة بالفشل، لكن تجاوز أزمتها لن يتحقق بالتمنيات أو بتبادل الاتهامات، وإنما باستعادة السياسة، وإعادة بناء الثقة، والتقاء القوى الحية في البلاد حول مشروع وطني ديمقراطي يحمي الحرية والكرامة، ويصون السيادة الوطنية، ويعيد للمواطن دوره في صناعة المستقبل.

وتزداد أهمية هذه المهمة في ظل التحولات التي يشهدها النظام الدولي وإعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية، وما تطرحه من ترتيبات جديدة قد تعيد رسم مستقبل المنطقة ومواقع دولها وأدوارها.

ففي هذا السياق، يهدد ضعف الجبهة الداخلية التونسية بحرمان البلاد من القدرة على الاستفادة من الفرص المتاحة، والدفاع عن مصالحها، والتموقع في المشهدين الإقليمي والدولي بما يعزز مكانتها ويقوي دورها.

فتونس المنقسمة، والمثقلة بالهشاشة الاقتصادية، والفاقدة لحد أدنى من التوافق الوطني، قد تجد نفسها أمام خطر الاكتفاء بالتأثر بالتحولات الجارية بدل امتلاك القدرة على التأثير فيها والمساهمة في توجيه مساراتها.

ومن ثمّ، فإن إعادة بناء جبهة داخلية متماسكة لا تمثل مجرد ضرورة ديمقراطية، بل هي شرط أساسي لصيانة السيادة الوطنية واستعادة قدرة تونس على الفعل والتأثير في محيطها الإقليمي والدولي.

وهو ما يقتضي تجاوز منطق الإقصاء والاستقطاب الحاد، واستعادة الثقة بين المجتمع ومؤسسات الدولة، وبناء أرضية مشتركة تقوم على الديمقراطية ودولة القانون واستقلال القرار الوطني والدفاع عن مصالح الشعب التونسي.

لم يعد السؤال الجوهري هو من انتصر في صراعات السنوات الأخيرة، بل هل يستطيع التونسيون تحويل إخفاقاتهم إلى فرصة للمراجعة وإعادة بناء الحياة السياسية، واستعادة قدرتهم الجماعية على الفعل، قبل أن تتفاقم كلفة الجمود وتتقلص هوامش المناورة المتاحة أمام البلاد، فتجد نفسها عاجزة عن التحكم في مستقبلها أو عن التموقع الذي يليق بإمكاناتها ومصالحها في ظل التحولات الدولية والإقليمية المتسارعة؟

من مقالات

أحدث الأخبار