عمان 1 - "يابا تعال.. إجري (قَدَمي)"، هكذا كان الطفل يوسف عقل يتأوه وينادي والده من سرير المستشفى بعدما تعرض لقصف إسرائيلي أدى لاستشهاد والدته وشقيقيه على الفور، أما هو فظل يصارع ألم الفقد وأوجاع الإصابة التي تعرض لها.
طوال 3 أعوام من حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، وحتى أكتوبر/تشرين الأول 2026 تتراكم خسارات الغزيين يوما بعد آخر، من فقدوا عائلاتهم وأجزاء من أجسادهم، إلى أطفال ضاعت سنواتهم الأولى بين القصف والنزوح، وطلاب توقفت دراستهم، وعائلات لم تتمكن حتى من دفن أبنائها.
فقد وبتر
وبعد هذه السنوات، يعود بعضهم إلى اللحظة التي تغيرت فيها حياتهم، وإلى ما كان يفترض أن يكونوا عليه اليوم لولا الحرب، منهم يوسف عقل (14 عاما) الذي كان يساعد والدته في إعداد طعام الغداء عندما استُهدف المربع السكني الذي كانت تعيش فيه أسرته في بداية الحرب على قطاع غزة، ففقد والدته وشقيقيه، بينما ظل هو يحمل في جسده وحياته آثار ذلك اليوم.
أصيب يوسف بجروح خطيرة، قبل أن يُنقل إلى مستشفى شهداء الأقصى، حيث شاهد جثمان والدته مسجى إلى جانبه.
لم تتوقف خسارة يوسف بفقد أفراد أسرته، بل تركت الإصابة وما عاشه بعدها آثارا على قدرته على الحركة والنطق والنمو والنظر أيضا، وعانى سوء تغذية زاد في إنهاك جسده النحيل، ولم يبق له من عائلته سوى شقيق واحد.
"انقلبت حياتي منذ ذلك اليوم"، يقول يوسف بينما راح يقلب صور والدته وأشقائه الشهداء في هاتفه، ولم يسقط أيضا مشهد إصابته وبكائه داخل المستشفى مسترجعا ما حدث وكيف مرت هذه السنوات في عمر كان يفترض أن تكون فيه تحولاته مرتبطة بالدراسة واللعب والنمو، لا بمحاولة التعايش مع ما فقده.
3 سنوات بلا تعليم
وليست خسارة العائلة فحسب التي تكبدها يوسف وأقرانه، فتشير منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف)، إلى أن نحو 700 ألف طفل في غزة مروا بما يقارب 3 أعوام دراسية متتالية من دون تعليم حضوري رسمي منتظم، بينما تضررت الغالبية الساحقة من المباني المدرسية.
وفي التعليم العالي، أظهر تقييم منظمة الأمم المتحدة للتربية والتعليم والثقافة (يونسكو) أن 95% من الجامعات التي شملها التقييم تعرضت لأضرار، بينها مواقع دمرت بالكامل.
وبالنسبة إلى عشرات الآلاف من الأطفال، تغير شكل الأسرة نفسها التي كان يفترض أن ترافقهم خلالها، إذ تشير أحدث بيانات يونيسيف إلى أن أكثر من 58 ألف طفل في غزة فقدوا أحد الوالدين أو كليهما منذ بدء الحرب، بالإضافة إلى الإصابات الخطيرة التي ألمت بالأطفال جراء العدوان الذي لم يتوقف طيلة السنوات الثلاث.
نفسية "تحت الصفر"
كانت سما أبو خصيوان (12 عاما) واحدة ممن تغيرت حياتهم ليس نفسيا فحسب، بل جسديا أيضا خلال هذه السنوات، ففي 20 يوليو/تموز 2025، أصيبت، بشظية في ساقها بعدما قصفت قوات الاحتلال المنزل الذي كانت عائلتها تقيم فيه أثناء النزوح، وانتهت الإصابة ببتر قدمها.
تستذكر سما -في حديثها - تلك اللحظة جيدا، حينها أسقطت طائرة إسرائيلية منشورات تطالب الناس بالنزوح، "وحينما بدأنا بجمع أغراضنا في المركبة قصفوا منزل جيراننا من دون سابق إنذار، فأصبت بشظية أدت إلى بتر قدمي، وأخرى بيدي تسببت في جرح عميق. لحظتها شعرت بأن نفسيتي تحت الصفر".
وتشير الطفلة الصغيرة -بينما كانت تركل الكرة بعصا حديدية تستخدمها في التنقل من مكان إلى آخر- إلى أن الإصابة حرمتها من جوانب أساسية من حياتها، بينها الحركة واللعب والتعليم، في حين بقي أملها في الحصول على طرف صناعي يساعدها على المشي لمسافات أطول.
وختمت سما: "شو ذنبي أنا أفقد رجلي؟ نفسي أعيش زي أطفال العالم بأمان وسلام، نفسي أكمل تعليمي وأصير طبيبة". ورغم ذلك، فلم تستسلم لإصابتها وراحت تمارس هوايتها في جمع حبات الخرز ولصقها فوق لوحة بلاستيكية، لتشكّل عملا فنيا تجلى فيه كامل إبداعها.
تحت الأنقاض
أما الطفل سليمان الحرازين (16 عاما)، فكانت فاجعته أكبر، إذ لم تمنحه السنوات الثلاث حتى فرصة دفن أفراد من عائلته، فقد والده وأعمامه وعماته وعددا من أطفال العائلة خلال محاولتهم النزوح في بداية الحرب، في حين بقيت جثامينهم، بحسب روايته، تحت الأنقاض.
وقال - بينما كان يستعرض لوحة تحمل صورهم إن العائلة لا تزال تنتظر الوصول إلى جثامين أقاربها ودفنها، مطالبا بمساعدة الأسر التي بقي أبناؤها تحت الركام بعد سنوات من فقدهم.
وهكذا، لم تمر الأعوام الثلاثة على سليمان، ولم تكن زمنا مرا منذ رحيل والده فحسب، بل انتظارا امتد معه منذ كان ابن 13 عاما حتى الآن، من دون أن تتمكن أسرته من إنهاء آخر تفاصيل الفقد بدفن من استشهدوا منها.
آمال تحطمت
وامتدت الخسارة كذلك إلى تفاصيل كانت تشكل حياة الشباب قبل الحرب، فقد أمضى مدرب التايكوندو محمود الكرنز سنوات في تدريب لاعبين من غزة وإعدادهم للمنافسات، وكان فريقه قد شارك قبل الحرب في بطولة فلسطين الدولية للكروغي بعد معسكر تدريبي في مصر، وحقق عددا من الميداليات.
وحسبه، فإن الفريق كان يستعد للمشاركة في بطولة الفجيرة الدولية في الإمارات، قبل أن تتوقف خطط السفر والمنافسة مع اندلاع الحرب، ويتعطل معها مسار تطوير اللاعبين.
ويقول الكرنز إنه حاول بعد هذه الأعوام الثلاثة العودة إلى النادي واستئناف التدريبات، لكنه وجد الأندية التي اعتاد اللاعبون التدريب فيها قد تعرضت للقصف، في حين دمرت أو أتلفت معدات التايكوندو، ليصبح استئناف النشاط نفسه بحاجة إلى إعادة بناء ما كان موجودا قبل الحرب.
ألم ووجع
وليس هذا حال الناس والسكان العاديين فقط، فسنوات الحرب الثلاث -حسب المتحدث باسم الدفاع المدني في قطاع غزة محمود بصل- تركت لدى طواقم الإنقاذ نفسها "آلاما وأوجاعا ومشاهد لا يمكن أن ينساها أي أحد"، بعدما عملت على إنقاذ المصابين وانتشال الضحايا من المناطق المستهدفة.
وأضاف بصل مخاطبا العالم وكل المؤسسات الإنسانية "من حق أي مواطن في غزة أن يعيش بكرامة وحرية، دون أي قيود أو تهديد بالقتل والموت".





