نافجة صباح البوعفرة الكواري
أستاذة مساعدة في قسم الشؤون الدولية بجامعة قطر.
لم يعد السؤال المطروح في الشرق الأوسط هو ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على الاحتفاظ بحضورها ونفوذها، بل ما إذا كان النموذج الذي أدارت من خلاله أمن المنطقة منذ نهاية حرب الخليج عام 1991 لا يزال قابلا للاستمرار. فالمعادلة التي قامت على تفوق عسكري أمريكي يضمن أمن الحلفاء، ويردع الخصوم، ويمنح واشنطن قدرة واسعة على التأثير في اتجاهات الأزمات والتسويات، تواجه اليوم بيئة إقليمية ودولية مختلفة عن تلك التي تشكلت فيها.
فحلفاء الولايات المتحدة باتوا أكثر ميلا إلى تنويع شراكاتهم الدولية، وخصومها أظهروا قدرة أكبر على التكيف مع الضغوط العسكرية والاقتصادية. وفي الوقت نفسه، لم تعد الموارد الأمريكية مكرسة للشرق الأوسط بالدرجة ذاتها، في ظل تصاعد المنافسة الدولية واتساع نطاق الالتزامات الإستراتيجية.
في هذا السياق، لا يكمن التحدي في الاختيار بين البقاء الأمريكي أو الانسحاب، بل في كيفية إعادة صياغة الدور نفسه، من نموذج يقوم على الهيمنة والحضور العسكري المباشر إلى مقاربة أكثر اعتمادا على الدفاع الجماعي، وتقاسم الأعباء، والحضور العسكري المرن.
غير أن هذا الانتقال لا يتحقق بمجرد تقليص القوات أو إعادة توزيعها، إذ إن تخفيف الوجود العسكري من دون بناء بدائل أمنية قد يخلق فراغا إستراتيجيا، بينما يؤدي استمرار النموذج السابق إلى زيادة الكلفة من دون ضمان نتائج سياسية أكثر استقرارا. ومن هنا يبرز السؤال المركزي: ما الشروط التي تجعل هذا التحول ممكنا من دون أن يؤدي إلى إضعاف الردع أو إنتاج فراغ أمني جديد؟
مأزق الاستمرار في النهج القديم
تكمن المعضلة الأساسية في أن الإستراتيجية التي منحت الولايات المتحدة قدرة واسعة على إدارة التوازنات الإقليمية طوال العقود الماضية، أصبحت أكثر كلفة وأقل قدرة على إنتاج نتائج سياسية مستقرة.
فقد أثبتت القوة العسكرية الأمريكية قدرتها على إلحاق أضرار كبيرة بخصومها، لكنها لم تتمكن دائما من تحويل التفوق العسكري إلى تسويات مستدامة. وتكشف المواجهتان المباشرتان مع إيران، في يونيو/حزيران 2025 ثم فبراير/شباط 2026، جانبا من هذه الإشكالية، إذ ألحقتا أضرارا بالبنية العسكرية الإيرانية، من دون إنهاء قدرتها على الرد أو إغلاق مسارات التصعيد، فيما انتهت المواجهة الثانية إلى هدنة هشة جرى التوصل إليها في إسلام آباد.
ويظهر مأزق النهج القائم في ثلاث مفارقات مترابطة، تتمثل الأولى في أن بعض الأصول العسكرية لتعزيز أمن الدول المنطقة أصبحت، في لحظات التصعيد، جزءا من حسابات الاستهداف، الأمر الذي يطرح تساؤلا حول العلاقة بين الحماية العسكرية والانكشاف الأمني. أما المفارقة الثانية فتتعلق بكلفة الردع ذاته، فاستمرار جولات التصعيد يفرض استهلاكا مرتفعا للذخائر والمنظومات الدفاعية، ويجعل المحافظة على الجاهزية العسكرية أكثر تكلفة وتعقيدا.
وتتمثل المفارقة الثالثة في الفجوة بين الالتزام الأمريكي بأمن إسرائيل وبين قدرة واشنطن على التأثير في خياراتها العسكرية والسياسية، وكلما اتسعت هذه الفجوة، أصبحت الولايات المتحدة مطالبة بتحمل تداعيات سياسات لا تتحكم بصورة كاملة في مسارها، بما يضعف قدرتها على الجمع بين وظيفتي الضامن الأمني والفاعل السياسي.
وتزداد هذه الإشكالية وضوحا مع تغير البيئة الدولية والداخلية الأمريكية، فالولايات المتحدة لم تعد تتحرك في نظام أحادي القطبية، كما تراجعت شهية الداخل الأمريكي للانخراط في حروب طويلة، في وقت تتوزع فيه الأولويات الإستراتيجية بين أوروبا ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ. لذلك، فإن الاستمرار بالأدوات التي صممت لمرحلة مختلفة، قد لا يعكس ثباتا إستراتيجيا بقدر ما يكشف عن فجوة متزايدة بين الوسائل المستخدمة والبيئة التي تعمل فيها.
الخيارات الإستراتيجية أمام واشنطن
في ضوء هذه التحولات، يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية أمام الولايات المتحدة، لكل منها كلفته وحدوده، يقوم المسار الأول على محاولة تجديد نموذج الهيمنة من خلال تعزيز الانتشار العسكري وتوسيع نطاق الضغط، بما يمنح واشنطن قدرة أكبر على التدخل المباشر والتأثير في حسابات الخصوم.
وقد يوفر هذا الخيار مرونة أوسع في إدارة الأزمات، لكنه يرفع في المقابل كلفة الالتزام، ويزيد احتمالات الانخراط في مواجهات متكررة، من دون ضمان تحويل التفوق العسكري إلى استقرار سياسي مستدام.
وتكتسب هذه الإشكالية أهمية أكبر في ضوء الاتجاه الأمريكي الأخير، نحو تعزيز الحضور العسكري في المنطقة مع تصاعد التوتر. فمثل هذه التحركات تؤكد أن القوة العسكرية لا تزال أداة مركزية في إدارة الأزمات، وتكشف في الوقت نفسه صعوبة الانتقال من نموذج يقوم على الحضور الأمريكي المباشر، إلى آخر يمنح الشركاء الإقليميين مسؤولية أكبر عن أمنهم. فكلما استدعت الأزمات إعادة تكثيف الانتشار الأمريكي، ازدادت صعوبة بناء نموذج أمني يقوم على توزيع الأعباء وتقليل الاعتماد على التدخل المباشر.
أما المسار الثاني فيتمثل في الانكفاء الواسع، عبر تقليص الوجود العسكري إلى أدنى مستوياته والاكتفاء بالتدخل عندما تتعرض المصالح الأمريكية الحيوية لتهديد مباشر. غير أن هذا الخيار يحمل مخاطر مختلفة، إذ قد يؤدي الانسحاب السريع إلى فراغ أمني، ويحفز سباقات التسلح، ويدفع بعض الشركاء إلى البحث عن ترتيبات وضمانات بديلة، قد لا تنسجم بالضرورة مع المصالح الأمريكية.
وبين هذين المسارين تبرز صيغة ثالثة تقوم على شراكة أمنية أكثر توازنا، تجمع بين حضور عسكري أقل كثافة وأكثر مرونة، وقدرات دفاعية إقليمية أكبر، وآليات سياسية قادرة على إدارة التنافس واحتواء التصعيد قبل تحوله إلى مواجهة مفتوحة. ويعني هذا الخيار أن تحتفظ الولايات المتحدة بدور مؤثر، ولكن من خلال تمكين الشركاء وتقاسم الأعباء، بدلا من تحمل الجزء الأكبر منها بصورة منفردة.
ومن هذه الزاوية، يكشف تعزيز الحضور العسكري الأمريكي في المرحلة الراهنة عن مفارقة أوسع في السياسة الأمريكية، فواشنطن تسعى من جهة إلى دفع شركائها نحو تحمل مسؤولية أكبر عن أمنهم، لكنها تعود من جهة أخرى إلى تكثيف حضورها المباشر كلما ارتفع مستوى التهديد. ولا تكمن المشكلة في هذا التعزيز بحد ذاته، بقدر ما تكمن في تحوله إلى نمط متكرر يجعل الأمن الإقليمي مرتبطا باستمرار القدرة الأمريكية على التدخل المباشر.
وعليه، فإن الصيغة الثالثة لا تتحقق بمجرد تخفيف الحضور العسكري، بل تتطلب بناء قدرة إقليمية قادرة على تحمل جزء أكبر من مسؤولية الردع والدفاع وإدارة الأزمات. ومن هنا تنتقل المسألة من المفاضلة بين حجم الوجود الأمريكي إلى السؤال الأكثر أهمية: ما الشروط التي تجعل التحول نحو الدفاع الجماعي قابلا للتطبيق والاستمرار؟
شروط التحول الواقعي
يبدأ الشرط الأول بإعادة تعريف المصلحة الأمريكية في الشرق الأوسط، فبدلا من محاولة التأثير في مجمل التوازنات والنتائج السياسية، يمكن تركيز الإستراتيجية على مجموعة محددة من المصالح القابلة للقياس، وفي مقدمتها حماية حرية الملاحة، ومنع الانتشار النووي، ومكافحة الإرهاب، والحفاظ على استقرار أسواق الطاقة. ويقتضي ذلك قبول قدر أكبر من الاستقلالية لدى الشركاء، بما في ذلك اتخاذهم قرارات لا تتطابق دائما مع التفضيلات الأمريكية، من دون تفسير ذلك باعتباره خروجا عن منظومة التحالف.
أما الشرط الثاني فهو بناء دفاع جماعي يمتلك الإقليم دورا أساسيا في صياغته وإدارته، والمقصود هنا ليس إنشاء تحالف عسكري واسع بصورة فورية، بل تطوير بنية تدريجية تبدأ بربط أنظمة الإنذار المبكر والدفاع الجوي والأمن البحري، ثم تتوسع إلى التدريب والتخطيط المشترك والتصنيع الدفاعي وتوزيع المخزونات الإستراتيجية. وفي هذه الصيغة يتحول الدور الأمريكي من تحمل العبء الدفاعي الأساسي إلى تمكين الشركاء عبر الاستخبارات، والتكنولوجيا، والتدريب، والتسليح.
ويتطلب نجاح هذه البنية وضوحا أكبر في قواعد استخدام المنشآت العسكرية الموجودة في المنطقة، بحيث تكون العلاقة بين الدولة المضيفة والولايات المتحدة قائمة على التشاور وتقاسم المخاطر، مع عدم استخدام أراضي الدول المضيفة في عمليات هجومية من دون موافقتها. فالدفاع الجماعي يفقد جزءا من منطقه إذا تحولت الأدوات المخصصة للحماية، إلى مصدر لانكشاف الشركاء أمام صراعات لم يشاركوا في قرارها.
ويتمثل الشرط الثالث في أن يكون تخفيف الوجود العسكري تدريجيا ومشروطا بنمو القدرات المحلية، فالمشكلة ليست في حجم القوات وحده، وإنما في طبيعة انتشارها ووظيفتها. ويمكن الانتقال من الاعتماد الكبير على قواعد ثابتة وضخمة إلى نموذج أكثر مرونة يقوم على الانتشار الموزع والدوري والوجود البحري، مع الاحتفاظ بعدد محدود من المراكز المحصنة والقدرات القادرة على الاستجابة السريعة، وبهذا يصبح تقليص الوجود نتيجة لارتفاع قدرة الشركاء، لا خطوة تسبق بناء هذه القدرة.
أما الشرط الرابع فهو بناء مسار دبلوماسي إقليمي أكثر شمولا، فالأمن الجماعي لا يمكن أن يقوم على الردع وحده، لأن منظومة أمنية تستبعد القوى الإقليمية الرئيسية ستظل معرضة لإعادة إنتاج الاستقطاب الذي تسعى إلى احتوائه، ومن هنا تبرز الحاجة إلى إطار دائم للحوار الأمني، يضم إلى جانب الدول العربية، إيران وتركيا، ويبدأ بملفات عملية قابلة للتفاوض، مثل خطوط الاتصال العسكرية، وأمن الملاحة، وآليات منع سوء التقدير، والترتيبات المرتبطة بالرقابة النووية.
ولا يعني ذلك إنهاء الخلافات أو افتراض إمكان بناء ثقة كاملة بين الأطراف، وإنما إدارة التنافس بحيث لا يتحول كل خلاف سياسي إلى أزمة عسكرية، كما يقتضي ذلك دعم الوساطات الإقليمية بدلا من احتكار عملية التفاوض، والقبول بمساهمة قوى دولية أخرى عندما تكون هذه المساهمة قادرة على خفض التصعيد وتعزيز فرص التسوية.
ويتمثل الشرط الخامس في إيجاد أفق سياسي ذي مصداقية للقضية الفلسطينية، بالتوازي مع تعزيز قدرة الولايات المتحدة على التأثير في السياسات الإسرائيلية ضمن الترتيبات الإقليمية. فالتعاون الأمني لا يستند إلى المصالح المشتركة وحدها، بل يتطلب أيضا قدرا من القبول السياسي والشعبي، وهو ما يصعب تحقيقه في ظل استمرار التوتر في غزة والضفة الغربية، أو في غياب مسار سياسي واضح يضمن الحقوق الفلسطينية.
ومن هذا المنطلق، تصبح العلاقة الأمريكية-الإسرائيلية جزءا أساسيا من معادلة التحول، فإذا سعت واشنطن إلى توسيع نطاق التعاون الإقليمي، فإن نفوذها على إسرائيل ينبغي أن يقترن بقدرتها على ضمان الالتزام بالاتفاقات والحد من السياسات، التي تفرض على شركائها الإقليميين أعباء سياسية وأمنية متزايدة، وإلا ستظل فرص بناء منظومة أمنية إقليمية واسعة ومستدامة محدودة.
ويضاف إلى هذه الشروط بُعد داخلي أمريكي لا يقل أهمية، يتمثل في الاستمرارية المؤسسية، فأي إستراتيجية طويلة المدى تحتاج إلى قدر من التوافق داخل الكونغرس والمؤسسات الأمريكية يحد من التقلبات الحادة بين الإدارات، فالشركاء الإقليميون لا يستطيعون بناء ترتيبات دفاعية ممتدة على التزامات يمكن إعادة تعريفها جذريا مع كل تغير في الإدارة.
إعادة الانتشار ضمن مسار متدرج
لا يتوقف نجاح التحول في الإستراتيجية الأمريكية على توافر الشروط السابقة فحسب، بل يرتبط أيضا بتسلسل تنفيذها، فإعادة الانتشار العسكري ينبغي أن تأتي ضمن مسار تدريجي يبدأ بخفض مستوى التهديد، وتعزيز آليات بناء الثقة، وتطوير القدرات الدفاعية الإقليمية، بما يضمن أن يسبق بناء البديل الأمني أي تقليص ملموس للحضور الأمريكي.
فالتقليص المبكر، قبل اكتمال جاهزية الشركاء، قد يخلق فجوة أمنية ويفسر بوصفه تراجعا في الالتزام الأمريكي، بما قد يدفع الخصوم إلى اختبار حدود الترتيبات الجديدة والحلفاء إلى البحث عن ضمانات أمنية إضافية. وفي المقابل، فإن استمرار نمط الانتشار الحالي من دون رفع قدرة دول المنطقة على تحمل مسؤوليات دفاعية أكبر، من شأنه أن يرسخ الاعتماد على الولايات المتحدة ويحد من فرص تطوير منظومة أمنية إقليمية أكثر فاعلية.
وعليه، لا يتمثل جوهر التحول في تقليص الوجود العسكري الأمريكي بحد ذاته، بل في إعادة توزيع المسؤولية الأمنية بصورة تدريجية، فكلما تطورت قدرات دول المنطقة في مجالات الدفاع الجوي والأمن البحري والإنذار المبكر والتنسيق العملياتي وإدارة الأزمات، أصبح من الممكن تخفيف الحضور الأمريكي من دون إضعاف الردع أو إحداث فراغ أمني، وبهذا تنتقل الولايات المتحدة تدريجيا من تحمل العبء الأمني المباشر إلى دعم منظومة إقليمية أكثر قدرة على إدارة أمنها والدفاع عن مصالحها.
من إدارة المنطقة إلى إعادة توزيع المسؤولية
إن التحول من الهيمنة إلى الشراكة لا يبدأ بسحب القوات بل بإعادة تعريف الدور الأمريكي في الشرق الأوسط، فالمسألة ليست في مغادرة المنطقة أو البقاء فيها، وإنما في الانتقال من نموذج تتحمل فيه واشنطن العبء الأكبر في إدارة الأمن الإقليمي إلى نموذج يقوم على توزيع المسؤولية، وتمكين الشركاء، وربط القوة العسكرية بمسارات دبلوماسية قادرة على تقليل الحاجة إلى استخدامها.
ويتطلب هذا التحول أهدافا أمريكية أكثر تحديدا، وبنية دفاعية إقليمية أكثر قدرة على تحمل المسؤولية، وإعادة انتشار عسكري متدرج، وحوارا أمنيا لا يقوم على الإقصاء، ومسارا سياسيا ذا مصداقية للقضية الفلسطينية، إلى جانب استمرارية مؤسسية داخل الولايات المتحدة تضمن ألا تصبح السياسة الإقليمية رهينة للتغير الدوري في الإدارات.
والأهم أن نجاح هذه المقاربة يتوقف على إعادة النظر في مفهوم النفوذ ذاته، ففي بيئة إقليمية أكثر تعددية، لم يعد النفوذ يقاس فقط بحجم القوات المنتشرة أو بالقدرة على فرض النتائج، بل أيضا بالقدرة على بناء التوافقات، وتوزيع الأعباء، واحتواء التنافس، ومنع الأزمات من التحول إلى مواجهات مفتوحة، وقد يكون النفوذ الذي يقوم على الشراكة أقل ظهورا من الهيمنة المباشرة، لكنه أكثر قابلية للاستمرار وأقل كلفة سياسية وعسكرية.
وعليه، فإن السؤال الذي سيحدد مستقبل الدور الأمريكي في الشرق الأوسط لم يعد، كيف تحافظ واشنطن على الهيمنة التي امتلكتها بعد عام 1991؟ بل كيف تعيد صياغة نفوذها في منطقة لم تعد تقبل أن يدار أمنها بالمنطق ذاته الذي حكم العقود الثلاثة الماضية؟





