لم تعد احتجاجات طلاب المدارس الثانوية في فرنسا مجرد حركة مطلبية حول نقص المدرسين أو سوء ظروف الدراسة، بعد أسبوع من التصعيد، تحولت إلى أزمة متعددة الأوجه تمس المدرسة والأمن والقضاء وعلاقة الدولة بشبابها، فيما تستعد الحركة لجولة جديدة من الاحتجاج غدا الثلاثاء، تحت شعار "الفعل الثالث"، بعدما اعتبرت المنظمات الطلابية والنقابات أن الإجراءات الحكومية المعلنة لم تقدم "تدابير ملموسة" كافية.
بدأت الحركة في 17 سبتمبر/أيلول في منطقة باريس، على خلفية نقص المدرسين والموظفين وظروف الدراسة، قبل أن تنتشر تدريجيا في أنحاء البلاد.
وفي ذروة الأسبوع، شمل التحرك أكثر من 1000 مدرسة ثانوية، بينها مئات المؤسسات التي شهدت عمليات إغلاق أو اضطراب، فيما أعلنت وزارة التعليم أن 400 إلى 500 مدرسة قد تبقى مغلقة كليا أو جزئيا بسبب عدم توافر شروط السلامة.
وترافقت الاحتجاجات مع اشتباكات وتخريب وحرائق وإصابات وعمليات توقيف واسعة، حتى باتت الحكومة تتعامل معها باعتبارها أزمة أمنية بقدر ما هي أزمة تعليمية، ومع ذلك، تتقاطع معظم المعالجات حول حقيقة أساسية: العنف ليس أصل الأزمة، وإن أصبح أخطر مظاهرها.
وخلف مشاهد الاشتباكات مطالب تتعلق بنقص المدرسين، وطول أيام الدراسة، وتدهور بعض المباني والخدمات، وغياب الموظفين، والقلق من المستقبل الدراسي والمهني، فضلا عن الاعتراضات المتراكمة على نظام القبول الجامعي "باركورسيب/Parcoursup" (البوابة الإلكترونية الحكومية التي أطلقتها وزارتا التعليم العالي والتربية الوطنية في فرنسا لإدارة القبول في الجامعات والمؤسسات العليا).
وتمنح شهادة مجموعة من المعلمين والمعلمات، في مقال رأي جماعي في صحيفة لوموند، الأزمة بعدا أعمق. فالموقعون، ومن بينهم باربرا أوبير، إليز بولون، كلوي درويه، غايل لو غيرن، جيمي ماركوم وغيي مارتينيه، يرون أن الطلاب لا يديرون ظهرهم للمدرسة الجمهورية، بل يحتجون لأنهم ما زالوا يؤمنون بوعدها.
ويقولون إن الشباب "يصرخون بتعلقهم بالمدرسة الجمهورية ووعدها بالمساواة"، معتبرين أن الاحتجاج تعبير عن ضيق متراكم تؤكده الفوارق الاجتماعية وأداء النظام التعليمي.
ومن هذه الزاوية، تصبح طريقة الدولة في التعامل مع الحركة جزءا من المشكلة، فالمعلمون الموقعون يسألون: ماذا ننتظر من شباب نطالبهم دائما بالمشاركة في الشأن العام، ثم نواجههم عندما يمارسون هذه المشاركة؟ ويختصرون اعتراضهم في عبارة شديدة الدلالة: بدلا من الاستماع إليهم والالتقاء بهم، يُواجهون بجدار من العنف.
ويرون أن تحويل المدارس إلى ساحات مواجهة بين القاصرين وقوات الأمن قد يؤدي إلى "تجفيف" هذا الحراك بدل معالجة أسبابه.
لكن الأسبوع الأول غيّر طبيعة السؤال، فقد خرج جزء من الاحتجاج عن الإطار السلمي، مع أعمال تخريب وحرائق ومواجهات مع الشرطة واعتداءات على مدرسين وعناصر أمن.
وتكشف حصيلة عرضتها لوفيغارو أن أكثر من 5 آلاف شخص أوقفوا خلال الأسبوع، فيما أصيب عشرات من أفراد الشرطة والدرك، إلى جانب طلاب وموظفين في قطاع التعليم، كما تجاوزت الأضرار المادية ملايين اليوروهات في عدد من المناطق.
وفي ذروة التصعيد، قالت وزارة الداخلية إن أكثر من ألف مدرسة تأثرت بالحركة، بينها مئات شهدت عمليات إغلاق أو مواجهات، وبذلك لم يعد السؤال فقط: ما الذي يطالب به الطلاب؟ بل أصبح أيضا: كيف يمكن للدولة أن تحمي المدارس والعاملين والطلاب أنفسهم من تحول الاحتجاج إلى عنف؟
هنا يظهر البعد الأكثر إثارة للقلق في مقال الطبيب النفسي للأطفال موريس بيرجيه والقاضي ألكسندر ستوبينسكي. فالكاتبان لا يريان في كون معظم القاصرين الموقوفين بلا سوابق جنائية سببا للاطمئنان، بل العكس تماما.
ويشيران إلى أن نحو 90% من الموقوفين الذين وصلوا إلى النيابة في منطقة نانتير، وفق ما نقله المدعي العام، كانوا غير معروفين للعدالة الجنائية.
فغياب السوابق، في رأيهما، لا ينبغي أن يحجب خطورة الفعل الأول. فهناك فارق جوهري بين مخالفة بسيطة وبين الاعتداء على شرطي أو إحراق مدرسة أو استخدام وسيلة حارقة.
ويطرح المقال سؤالا عن معنى أن يكون أول احتكاك لقاصر بالعدالة مرتبطا بمستوى مرتفع من العنف، وما يكشفه ذلك عن علاقته بالمجتمع والسلطة والمؤسسات.
ويصل الكاتبان إلى خلاصة صادمة: "السجل الجنائي النظيف" لهؤلاء القاصرين ينبغي أن يثير القلق أكثر مما يبعث على الطمأنينة. فالمشكلة، في نظرهما، ليست فقط في معاقبة الفعل، وإنما في إعادة ترسيخ فكرة أن للأفعال عواقب.
ويعتبران أن الإفراط في إصلاح ما يُدمّر، من دون تحميل الفاعلين مسؤولية واضحة، قد يولد الانطباع بأن التخريب لا يترتب عليه ثمن.
لكن هذه الرؤية العقابية تواجه اعتراضا حقوقيا قويا من الجهة المقابلة، ففي مقال رأي وقّعه 52 محاميا من أعضاء "مؤتمر التدريب"، وهو من أبرز مسابقات نقابة المحامين في باريس، تحذر لونوفيل أوبس من أن الدولة ترد على احتجاج القاصرين بـ"قمع غير متناسب وعنيف".
ويشير المحامون، ومن بينهم أسماء بارزة مثل رومان بوله، كارين بوردييه، لور هاينيش ودوروثيه بيساشيا-برنشتاين، إلى إصابات خطيرة بين الطلاب وإلى فتح تحقيقات في عدد من الوقائع.
ولا يقتصر اعتراضهم على استخدام القوة، بل يمتد إلى منطق العدالة نفسه، فبحسبهم، وضع أعداد كبيرة من القاصرين رهن الحراسة النظرية قد يؤدي إلى قلب العلاقة بين الشرطة والقضاء، بحيث تصبح الشرطة هي التي تضع العدالة أمام "أمر واقع".
الإفراط في إصلاح ما يُدمّر، من دون تحميل الفاعلين مسؤولية واضحة، قد يولد الانطباع بأن التخريب لا يترتب عليه ثمن.
ويذكرون أن 1793 شخصا وضعوا قيد الحراسة النظرية خلال 4 أيام، ويحذرون من أن حرمان الطفل من حريته يجب أن يظل إجراء استثنائيا ولأقصر مدة ممكنة.
وبين هذين التصورين -الحاجة إلى وضع حدود واضحة للعنف، والحاجة إلى حماية الحقوق الأساسية للقاصرين- تحاول الحكومة استعادة زمام المبادرة.
فقد أعلن رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو خطة من 5 محاور تشمل تسريع تعويض المدرسين الغائبين، وتحسين المدارس والمرافق، ومعالجة معاناة الطلاب، وإعادة النظر في بعض جوانب باركورسيب، إلى جانب العمل على استئناف الدراسة في المؤسسات التي تسمح ظروفها الأمنية بذلك.
لكن الاستجابة الحكومية تكشف في الوقت نفسه أن الاحتجاج لم يعد مشكلة أمنية عابرة، فالمطالب تتصل بالبنية اليومية للمدرسة: مدرسون غير متوافرين، مبانٍ متدهورة، خدمات غير كافية، جداول دراسية مرهقة، وقلق متزايد بشأن المستقبل.
ولذلك ترى لاكروا أن فرنسا لا تستطيع معالجة ما تراكم خلال عقود في أسبوع واحد، وتصف المدرسة الجمهورية بأنها "جسم كبير مريض"، فيما تعتبر أن الأزمة وضعت "عالم الكبار" أمام مسؤولياته.
وتقدم افتتاحية لاكروا زاوية مهمة تتجاوز ثنائية "مع الطلاب أو ضدهم"، فالتعاطف مع الشباب، في نظرها، لا يعني التساهل مع العنف.
"التصرف كراشد يعني وضع حدود"، كما تقول، محذرة من تحويل الاحتجاجات المدرسية إلى طقس رومانسي يتغاضى عن الاعتداء على الشرطة أو إحراق المؤسسات.
فالمسؤولية عما يحصل موزعة بين الدولة والبلديات والأهل والمعلمين والقضاء وقوات الأمن، وكل هؤلاء مطالبون بأن يكونوا "راشدين" في مواجهة غضب القاصرين.
وهذه النقطة تحديدا هي ما يجعل الأزمة تتجاوز حدود المدرسة، فالدولة مطالبة في الوقت نفسه بأن تستمع إلى شباب يقول إنه يريد مدرسة أفضل، وأن تحمي المدارس من التخريب، وأن تضمن حق الاحتجاج، وأن تمنع استخدام القوة بصورة قد تعرض قاصرين لإصابات خطيرة، وأن تضمن ألا يتحول النظام القضائي إلى أداة ردع جماعي.
وبعد أسبوع من الاحتجاجات، تبدو فرنسا إذن أمام معادلة شديدة التعقيد: لا يمكن اختزال الحراك في العنف، كما لا يمكن تبرير العنف باسم الحراك، وبينما تسعى الحكومة إلى إعادة فتح المدارس واحتواء الغضب عبر وعود الإصلاح، تدعو المنظمات الطلابية والنقابات إلى "الفعل الثالث" غدا الثلاثاء، مما يعني أن الأزمة لم تدخل بعد مرحلة التسوية.
ويمكن استخلاص أن المواجهة المقبلة لن تكون اختبارا للحكومة وحدها، بل اختبارا لفكرة المدرسة الجمهورية نفسها: هل تستطيع الدولة أن تسمع غضب شبابها من دون أن تتنازل عن هيبة القانون، وأن تفرض القانون من دون أن تفقد ثقة هؤلاء الشباب؟
ذلك هو جوهر الأزمة التي بدأت من أبواب المدارس، لكنها باتت تطرق أبواب الدولة الفرنسية كلها.





