عمان 1 - عزة كرم
مديرة برنامج كاهان للأمم المتحدة في قسم الشؤون العالمية بكلية أوكسيدنتال في الولايات المتحدة.
شغل ستيف بانون عدة مناصب في الحياة العامة الأمريكية، منها: مصرفي استثماري، ومخرج أفلام، ومسؤول إعلامي، ومستشار إستراتيجي لحملة رئاسية، ومستشار في البيت الأبيض، ومؤخرا مقدم برنامج "غرفة الحرب" (War Room).
والقاسم المشترك بين كل هذه المناصب هو اهتمامه ببناء حركة سياسية خارج الأطر المعتادة لقيادة الأحزاب.
في عام 2016، عينه دونالد ترمب مديرا تنفيذيا لحملته الرئاسية، وبعد فوزه، أصبح بانون كبير الإستراتيجيين في البيت الأبيض، وهو المنصب الذي تركه في أغسطس/آب 2017.
ولم ينته نفوذه مع تركه المنصب، فمن خلال برنامج "غرفة الحرب"، واصل مخاطبة وتنظيم جمهور ضمن حركة "ماغا".
سلسلة "من هو ستيف بانون؟" التي أعدتها " الآن هذا" (NowThis) تتتبع مسيرته المهنية المبكرة؛ تقرير صحيفة غارديان حول "غرفة الحرب" يوضح كيف أصبح البرنامج لاحقا منصة لعمله السياسي.
تساعد ثلاثة كتب في تفسير جوانب مختلفة من صعوده، حيث يبحث كتاب جوشوا غرين "صفقة الشيطان: ستيف بانون، دونالد ترمب، والانقضاض على الرئاسة" (Devil’s Bargain: Steve Bannon, Donald Trump, and the Storming of the Presidency)، في الكيفية التي ساعد بها بانون في ربط ترشيح ترمب بالناخبين الذين كانوا يشككون في المؤسسات السياسية والمالية والإعلامية.
ويصور كتاب مايكل وولف "النار والغضب" نظرة من الداخل على البيت الأبيض في عهد ترمب" (Fire and Fury: Inside the Trump White House) العلاقات المضطربة خلال السنة الأولى للإدارة، بما في ذلك انفصال بانون عن ترمب في نهاية المطاف.
وقد واجهت رواية وولف اعتراضا شديدا من ترمب، ومن الأفضل قراءتها باعتبارها صورة لتلك العلاقات، وليس سردا نهائيا لكل محادثة خاصة.
أما كتاب بنجامين ر. تيتلباوم "حرب من أجل الخلود: داخل دائرة بانون اليمينية المتطرفة من صانعي القوة العالميين" فيستكشف سؤالا مختلفا: الأفكار الفكرية والدينية المتداولة بين بانون والشخصيات في شبكته الدولية.
يصف بانون نفسه بأنه شعبوي وقومي، ويدور خطابه السياسي حول وضع المواطنين العاديين في مواجهة "النخبة الحاكمة" التي يقول إنها خذلتهم.
ويربط هذا الخطاب بين معارضة العولمة والهجرة وانتقاد الشركات القوية والنخب السياسية وجزء كبير من الحكومة الفدرالية.
وفي برنامج "غرفة الحرب"، يقدم هذا الخطاب على شكل حملة مستمرة: حيث يناقش الضيوف والنشطاء ومسؤولو المكاتب الخلافات حول السياسات والانتخابات والسيطرة على المؤسسات. في مقابلة مع صحيفة غارديان، وصف بانون نهجه تجاه البرنامج بأنه لا هوادة فيه.
يحضر الدين في خطاب بانون بكلماته هو؛ فهو كاثوليكي قريب من التيار التقليدي المحافظ، ويتحدث عن "غرب يهودي-مسيحي" يرى أن مؤسساته وهويته في خطر.
وتقف إشاراته الدينية جنبا إلى جنب مع حججه السياسية حول السيادة والحدود الوطنية والقوة الاقتصادية.
تنبع أهمية كتاب تيتلباوم من أنه يدعو القارئ إلى أخذ اهتمام بانون بالتراث والهوية على محمل الجد. بيد أن مسيرة بانون العامة تبيّن أن الأفكار وحدها لا تكفي لتفسير نفوذه.
فقد سخّر بانون الحملات الانتخابية والأفلام ووسائل الإعلام وبودكاست يوميا ليحوّل رؤيته للعالم إلى حراك سياسي منظَّم.
وتبرز أهمية هذا التمييز، في أن فهم الدور السياسي لرؤية بانون للحضارة الغربية لا يستلزم تبنيها. فهذه الرؤية تقدّم لجمهوره تفسيرا يجمع مخاوف متفرقة، مثل القلق الاقتصادي والتغير الثقافي، وفقدان الثقة بالحكومة، في معركة واحدة.
كما أنها تحدد الحلفاء والمعارضين والمؤسسات التي يجب مواجهتها، والنتيجة هي شكل من أشكال السياسة يمكن أن تساعد فيه اللغة الدينية في تحديد الهوية الجماعية حتى عندما يكون الموضوع المباشر هو انتخابات، أو سياسة هجرة، أو نزاع داخل الحزب الجمهوري.
ما هي صلات بانون باليمين المسيحي؟
تتمثل الصلة الأوضح بين بانون وخطاب اليمين المسيحي في رؤيتهما المشتركة للصراع الثقافي، فهو يصور الولايات المتحدة والغرب عموما على أنهما مهددان بالليبرالية العلمانية والتقاليد المتداعية.
وبالمثل، يتحدث العديد من النشطاء المسيحيين المحافظين عن الدفاع عن الحرية الدينية والحياة الأسرية والأسس الأخلاقية للأمة.
هذه حجج متداخلة، رغم أنها لا تجعل من بانون ممثلا لجميع المسيحيين المحافظين، ولا تجعل من اليمين المسيحي حركة واحدة موحدة.
تشكل هويته الكاثوليكية مجموعة من الروابط، فقد كان بانون ناقدا صريحا للبابا الراحل فرانشيسكو، لا سيما عندما تعارضت أولويات فرانشيسكو بشأن الهجرة والقضايا الاجتماعية الأخرى مع سياسات بانون القومية.
صحيفة غارديان تحدثت عن هجماته على فرانشيسكو وعلى الشبكة الأوسع نطاقا والناشطة سياسيا من الكاثوليك الأمريكيين المحافظين المهتمين بالاتجاه الذي تسير فيه الكنيسة.
ويظهر هذا الخلاف حدودا مهمة لتصنيفات مثل "السياسة المسيحية ": فقد يتوصل القادة والمجتمعات المسيحية إلى استنتاجات متباينة بشدة بشأن الحدود والفقر والسلطة والالتزامات العامة. نحن نتعمّد هذا التدقيق في المصطلحات؛ فمراعاة حساسية اللغة وإدراك تنوّع طرائق التفكير والعيش شرطٌ للنزاهة المعرفية.
إن تحرّي الدقة في استخدام اللغة، والتمييز بين أنماط التفكير وأساليب الحياة المختلفة، شرطان أساسيان للنزاهة المعرفية.
ولا تنحصر علاقات بانون السياسية في الأوساط الكاثوليكية، فقد ضمّ تحالف ترمب ناشطين وناخبين إنجيليين، إلى جانب كاثوليك وآخرين لا يرتبطون بأي مذاهب دينية.
وتمظهر دور بانون في صياغة خطاب سياسي قادر على جمع هذه الفئات حول أهداف مشتركة، دون اشتراط توافقها في جميع المسائل اللاهوتية.
يمكن للمؤيدين بدلا من ذلك أن يتجمعوا حول أهداف سياسية مشتركة، أو شعور بفقدان الهوية الثقافية، أو الاعتقاد بأن المؤسسات القائمة لا تستجيب لهم.
في تقريرها عن التعبئة الدينية لصالح ترمب، وثقت صحيفة غارديان كيف قامت المنظمات المسيحية بتأطير الانتخابات من منظور أخلاقي وروحي؛ ويندرج عمل بانون الإعلامي ضمن هذا الإطار السياسي الأوسع.
ويتخذ هذا الارتباط طابعا عمليا أيضا، إذ يوفر برنامج "غرفة الحرب" للسياسيين والناشطين في الحملات الانتخابية والمعلقين منصة للتواصل المستمر مع جمهور متفاعل.
ومن خلال هذه المنصة، يستطيع بانون تأجيج الخلافات، أو الترويج لإستراتيجيات سياسية بعينها، أو إبقاء قضايا مثيرة للجدل حاضرة في النقاش العام، حتى بعد أن تنصرف عنها وسائل الإعلام التقليدية إلى موضوعات أخرى.
يكشف تقرير صحيفة غارديان عن مدى تأثير البرنامج داخل أروقة الحزب الجمهوري ورؤية بانون للبرنامج باعتباره أداة للتنظيم والحشد.
في هذا السياق، تتجاوز اللغة الدينية مجرد التعبير عن المعتقد الشخصي، لتصبح أداة لحشد الأنصار وتوضيح أهداف العمل السياسي.
غير أن هذا التحالف لا يخلو من توترات وتباينات، فالكاثوليك والإنجيليون والمسيحيون المحافظون الآخرون يختلفون حول سلطة الكنيسة واللاهوت والسياسة العامة.
وهناك من يرفض تصوّر بانون للمسيحية رفضا تاما. وتُظهر خلافاته مع البابا فرانشيسكو أن الاحتكام إلى "الحضارة المسيحية" لا يحسم سؤال: من له الحق أن يتكلم باسم المسيحيين؟ كما أن الانتماء إلى التحالف الانتخابي نفسه، لا يعني أن كل أعضائه يؤيدون بانون في آرائه.
ومع ذلك، تكشف مسيرته عن طريقة جلية: الهوية الدينية تمنح الناس لغة للانتماء وإحساسا بالرسالة الأخلاقية، والإعلام يمنحهم التكرار والانتشار، والتنظيم السياسي يمنحهم أدوات الفعل.
وتكمن أهمية بانون جزئيا في قدرته على الربط بين هذه العناصر. لذلك لا يكفي لفهم سياسته أن نسأل عن مدى تديّنه أو تمسّكه بعقيدة معينة، بل ينبغي أن نسأل أيضا: ماذا تتيح لغته الدينية للناس أن يفعلوه معا؟.
ما الذي تتيحه اللغة الدينية في السياسة؟
في مقالتي على موقع "الجزيرة نت" حول تاكر كارلسون، أوضحت أن السؤال الحاسم ليس مقدار ما تبدو عليه الحركة السياسية من تديّن، بل ما تسمح به لغتها الدينية: هل تحمي المساواة في المواطنة وحرية الاختلاف في الرأي، أم تجعل الأهداف السياسية فوق أي نقاش؟
ويسلط بانون الضوء على هذا السؤال: فنداءاته إلى "الحضارة المسيحية" لا تقتصر على التعبير عن إيمانه الشخصي. فمن خلال حملة انتخابية وشبكة إعلامية وجمهور مدعو إلى التحرك، تساعد هذه النداءات في تحديد من ينتمي إلى الحركة، وما الذي يهددها، وما الذي ينبغي أن يفعله مؤيدوها.
ولهذا السبب، فإن تسييس الدين لا يؤدي بالضرورة إلى نفور معتنقيه منه. وفي حالة بانون، يعد الدين أيضا لغة يشارك الناس من خلالها في السياسة.
وهذا لا يخبرنا شيئا عن مدى عمق إيمان أي شخص، ولا يعني أن كل السياسة دينية وبالتالي مشكوك فيها. يمكن للإيمان أن يشجع على احترام الآخرين والاهتمام بهم. لكنه يمكن أن يستخدم أيضا لتصوير الخصوم على أنهم أعداء، والتسوية على أنها خيانة.
والسؤال، إذن، ليس ما إذا كان الدين يدخل في السياسة، فهو يدخلها بالفعل، بل هو ما إذا كان الأشخاص الذين يتحدثون ويعملون في المجالات السياسية، باسم الدين، يحترمون أيضا أولئك الذين يؤمنون أو يصوتون بشكل مختلف.





