تعرض الآن النسخة الكاملة · خط أكبر 20%
الثلاثاء، 20 تشرين الأول 2026عمّان 14°سماء صافيةبورصة عمّان4,197.27▲ 0.13%

المعرفة بعمق · اراء و تقارير · مقالات · دراسات وابحاث

ابحث في العمق

دراسات وابحاث · الجذر

صحافة بلا صحفيين.. غرف أخبار يديرها الذكاء الاصطناعي من الألف إلى الياء

· 4 دقائق قراءة

118
صحافة بلا صحفيين.. غرف أخبار يديرها الذكاء الاصطناعي من الألف إلى الياء

عمان 1 - لم تعد غرف الأخبار التي يديرها الذكاء الاصطناعي فكرة نظرية. فهناك مشاريع إعلامية في الولايات المتحدة وكندا وكرواتيا وإيطاليا بنت عملها كله حول وكلاء آليين يرصدون المصادر ويبحثون ويكتبون ويدققون، بل يتخذون القرار التحريري أحيانا.

جاء ذلك في تقرير نشره معهد رويترز لدراسة الصحافة الجمعة الماضية، وأعدته الصحفية غريتل كان. واستند التقرير إلى حوارات مع 5 من القائمين على هذه المشاريع.

ويوضح التقرير أن هذه المنصات تختلف عن مواقع تجميع الأخبار التقليدية التي تعيد نشر ما تجمعه، لأنها تحاكي العملية التحريرية نفسها. ويتفاوت حضور البشر فيها كثيرا، فبعضها يراجع محرر كل قصة فيه، وبعضها يترك المهمة كلها تقريبا للآلة. وتشير قاعدة بيانات "جيندكس" التي أنشأتها الصحفية الأوكرانية كاتيا غورشينسكايا إلى وجود نحو 30 منصة من هذا النوع حول العالم.

سبق صحفي في 6 دقائق

يروي التقرير أن موقع "رن تايم واير" RuntimeWire الأميركي، الذي أسسه التقني رايان ميركيت في مايو/أيار الماضي، كان أول من كشف هذا العام خروج أكثر من 1200 وكيل ذكاء اصطناعي داخل شركة "أوبن إيه آي" عن السيطرة. فقد تواصل هؤلاء الوكلاء فيما بينهم لاختراق منصة "هاغينغ فيس" ذاتيا.

ويقول ميركيت إنه رصد الإفصاح في النص المكتوب لعرض مباشر خلال مؤتمر "بلاك هات" للأمن السيبراني في لاس فيغاس، فأدخله إلى نظامه. فطابق النظام هوية المتحدثين مع الوثائق الرسمية وسجلات الحوادث السابقة، وقرر ميركيت بنفسه أن الخبر يستحق النشر.

ونُشرت النسخة الأولى بعد نحو 6 دقائق، أي قبل مجلة وايرد بـ3 ساعات وقبل كبرى الصحف العالمية. ويوضح ميركيت أن السرعة سببها أن البنية الصحفية جاهزة قبل وصول المعلومة، لكنه يؤكد أن أي قصة تُحجب إذا كانت أدلتها ضعيفة أو تعذّر التحقق منها.

ويتولى ميركيت رئاسة التحرير، وتحمل كل القصص توقيعه لأنه المسؤول عنها. ويقول إن مسؤوليته تبدأ قبل وجود المقال، باختيار أولويات النظام ومعاييره وتصميم الضوابط التي توقف النشر. ويضيف: "إذا كانت القصة خاطئة أو مضللة أو ضعيفة المصادر، فإصلاحها مسؤوليتي".

غرفة أخبار بلا بشر

في إيطاليا يذهب موقع "ريداتسيوني زيرو" Redazione Zero أبعد من ذلك، إذ يترك اختيار الأخبار وكتابتها بالكامل لوكلاء آليين مستقلين. ويوضح ناشره مطور البرمجيات إميليو سالميري أن وكيلين يعملان بنماذج من شركتي أنثروبيك وأوبن إيه آي يجمعان الأخبار كل صباح كلٌّ على حدة.

ثم يختار النظام القصص ويكتبها وفق ميثاق تحريري معلن، قبل أن تدققها أنظمة تحقق منفصلة تمنع نشر أي مادة تكتشف فيها خطأ. وفي النهاية يكتب "محرر آلي" افتتاحية تشرح خيارات اليوم. ويضع سالميري القواعد والضوابط، لكنه لا يراجع القصص قبل نشرها.

ويقول سالميري إن القرار للنظام والعواقب يتحملها هو، ولهذا وضع أشد القواعد حيث تكون مسؤوليته أكبر. فالموقع يحظر تغطية الجرائم والمحاكم، ويمنع تقديم النصائح الطبية، ويشترط عادة مصدرين مستقلين لكل قصة. ويتيح للقراء الاعتراض على أي مقال مع وعد بالرد خلال 48 ساعة.

ويؤكد سالميري أن قرار التصحيح أو السحب أو الرفض المسبب يعود إليه وحده. ويقول: "النظام يكتب، لكنه لا يحكم على سلوكه".

واحات في صحارى الأخبار

دفع غياب الأخبار المحلية مؤسسين آخرين إلى خوض التجربة، ففي كرواتيا أنشأ مهندس البرمجيات تيهومير ياوك موقع "موي كراي"، Moj Kraj أي "منطقتي" باللغة الكرواتية، ويغطي الموقع أكثر من 124 بلدة بمسح أكثر من ألفي مصدر صغير، منها مواقع البلديات وإعلانات الحكومة وشركات الخدمات وأحوال الطقس.

ويقول ياوك إن المواقع الكبرى لا تملك الوقت أو الموارد لتغطية المجتمعات الصغيرة، "وهنا يأتي دورنا". ويوضح أن كل مسودة تخضع لتقييم رقمي، فإذا قلّت درجة الحياد مثلا عن 80% لا تُنشر. ولهذا لا يُنشر سوى 20 إلى 30 مقالا من نحو 100 مسودة يومية.

وفي ولاية أريزونا الأميركية أطلق الصحفي التقني المخضرم نيكولاس دي ليون موقع "توسون ديلي بريف" Tucson Daily Brief. ويعتمد الموقع نموذجا من مستويين: الأخبار الروتينية تُنشر آليا، والتغطيات الحساسة تُراجع يدويا.

ويقول دي ليون إن مدينة توسون لم يبق فيها سوى صحيفة واحدة وبضع محطات تلفزيونية. ويضيف أن هدفه ليس إثبات أنه يستطيع أخذ وظيفة أحد، بل معرفة ما يمكنه إضافته.

وقد طوّر دي ليون "مراسلا آليا" يسجل اجتماعات المجالس المحلية ويفرغها ويكتب عنها مسودات، ويقول إنها تأتي جاهزة للنشر بنسبة 90%، لكنه يحررها ويدققها بنفسه. وأطلق أيضا بودكاست يوميا بنسخة آلية من صوته، وقناة على تيك توك بالإسبانية تقدمها مذيعة افتراضية. ويقر بأن المشروع لم يحقق أرباحا بعد.

صحيفة كندية تنتعش بعد الإفلاس

في 2023 أعلنت مجموعة "مترو ميديا" Métro Media الكندية إفلاسها، فتوقفت أكثر من 30 منصة إخبارية محلية بينها صحيفة "جورنال مترو". وبعد عامين اشترى رجل الأعمال التقني بيير أنطوان فراديه حقوق الصحيفة، وأعاد إطلاقها بنموذج يعتمد على الذكاء الاصطناعي لخفض التكاليف.

ولم توظف الصحيفة سوى إنسان واحد هو أوليفييه روبيشو، الصحفي السابق فيها الذي فقد عمله قبل الإفلاس بعام، وصار اليوم رئيس تحريرها. وترصد أدوات الذكاء الاصطناعي البيانات الصحفية والتقارير وتكتب مسودات، ثم يتحقق روبيشو من الحقائق ويضيف السياق ويطلب الرأي الآخر عند الحاجة.

ويقول روبيشو إن الفكرة أن يتولى الذكاء الاصطناعي المهام السهلة ليتفرغ الصحفي "من لحم ودم" للمهام الصعبة. ويضيف أنه يستطيع إنتاج 20 إلى 25 خبرا بسيطا ويبقى لديه وقت لعمل صحفي أصلي.

أسئلة مقلقة

يقر تقرير معهد رويترز بأن هذه التجارب تثير أسئلة مقلقة، منها هل تزيد تلوث الفضاء المعلوماتي، وماذا عن الصحفيين الذين قد يفقدون وظائفهم. ويعترف روبيشو بأن الذكاء الاصطناعي سيحل محل وظائف، لكنه يرى أن ذلك رهن بخيارات أصحاب العمل. ويذكّر بأن الذكاء الاصطناعي أعاد بالفعل وظيفة صحفية واحدة على الأقل، هي وظيفته.

ويعترف جميع من حاورتهم الكاتبة بأخطاء ارتكبتها أنظمتهم. فحتى "ريداتسيوني زيرو" نشر 4 تصحيحات، دفع كل منها إلى ضوابط جديدة. ويقول سالميري: "ما أستطيعه هو أن أجعل كل خطأ مرئيا، وأن يترك ندبة في الآلة".

ويتفق المؤسسون على أن الآلة لا تغني عن الصحفي الذي يبني المصادر وينزل إلى الميدان. ويختم ميركيت بأنه لا يرى المستقبل غرفة أخبار فارغة تنتج صفحات بلا نهاية، بل غرفة تحمل فيها الآلات العبء الميكانيكي، ويُطالَب فيها البشر بمعايير أعلى في القرارات المهمة.

المصدر: معهد رويترز للصحافة (Reuters Institute for the Study of Journalism)

من دراسات وابحاث

أحدث الأخبار