هل يقود تاكر كارلسون انقلابا سياسيا ضد ترمب؟
16 سبتمبر 2026 - 10:13 ص
عمان 1 :
عزة كرم
مديرة برنامج كاهان للأمم المتحدة في قسم الشؤون العالمية بكلية أوكسيدنتال في الولايات المتحدة.
ثمة أمر ذو تبعات سياسية مهمة يتشكل داخل اليمين الأمريكي، لكن ليس من الدقة بمكان بعدُ اعتباره حزبا جديدا. فقد ذهب تاكر كارلسون أبعد من غيره في هذا الاتجاه. ففي مقابلة أجريت معه في يوليو/تموز 2026، ونقلتها صحيفة الغارديان (The Guardian)، قال إن الديمقراطيين والجمهوريين يتحركون في مسألة "الحرب والتمويل" بتضامن مطلق وتناغم تام، مما أفرز ما سماه "دولة الحزب الواحد التي ترتدي قناع الديمقراطية".
ثم قطع تعهدا واضحا لا لبس فيه قائلا: "سأساعد في بناء حزب ثالث". بيد أنه لم يقترح اسما للحزب، أو هيكلا تنظيميا، أو إستراتيجية لخوض الانتخابات، أو مرشحين، مستدركا بالقول: "لا أُريد أن أكون مرشحا".
وأشارت الصحيفة نفسها إلى أنه كان قد صرح لصحيفة نيويورك تايمز (The New York Times) قبل أسابيع قليلة فقط بأن أي حزب ينبغي أن يعبر عن قطاع عريض من الأمريكيين، لكنه أكد أنه "حتما لن" يقوم بإنشائه. هكذا تبدو النية معلنة، بينما يظل الكيان المنشود مجرد فكرة.
أما موقف مارجوري تايلور غرين -وهي سياسية أمريكية وعضوة سابقة في مجلس النواب عن الحزب الجمهوري- فيحمل بدوره طابعا تمرديا، لكنه أكثر تحديدا. ففي أعقاب إعلان كارلسون استحالة مواصلة دعمه للجمهوريين، كتبت غرين معلقة: "الكثيرون منا" قد سئموا من حزب خان ناخبيه، مؤكدة في الوقت نفسه أنهم لن ينضموا إلى الحزب الديمقراطي.
وقد وثقت صحف مثل فايننشال تايمز (Financial Times) ووول ستريت جورنال (The Wall Street Journal) وواشنطن بوست (The Washington Post) هذا الشرخ الأكبر؛ إذ انفض كارلسون وغرين وشخصيات أخرى من تيار "أمريكا أولا" عن الرئيس دونالد ترمب وقادة الحزب الجمهوري، وكان الخلاف أشد ما يكون ووضوحا في قضايا الحرب مع إيران، والدعم الأمريكي لإسرائيل، ومعنى النأي بالنفس عن التدخلات الخارجية.
واشتدت حدة التكهنات بعدما نشرت غرين صورة تجمعها بكارلسون والنائب توماس ماسي والمسؤول السابق في مكافحة الإرهاب جو كينت، في منزل كارلسون بولاية مين، وذيّلتها بهذا التعليق: "قلنا لا مزيد من الحروب الخارجية. وكنا نعني ما نقول… لقد بدأت الحركة".
لكن عندما سُئلت بشكل مباشر، في برنامج "فايرينغ لاين" على شبكة بي بي إس (PBS)، عما إذا كانوا بصدد إطلاق حزب سياسي جديد، أجابت: "إذا تحدثنا عن حزب ثالث منظم هنا، فالإجابة لا".. وقالت إن مسعى من هذا القبيل بحاجة إلى حركة جماهيرية حاشدة، ولن يتحقق ذلك خلال "دورة انتخابية أو دورتين". ولدى إلحاح المحاور في السؤال، ختمت بالقول: "إن الحركة تُبنى بالفعل".
وعليه، فإن الوصف الأدق هو وجود شبكة ناشئة مناهضة للمؤسسة التقليدية، وليست بعدُ حزبا ثالثا مسجلا أو منتظما.
الاختبار التاريخي.. لماذا نادرا ما تصبح الأحزاب الثالثة أحزابا حاكمة؟
تصطدم الأحزاب الثالثة في الساحة السياسية الأمريكية ببنية سياسية بالغة الصرامة؛ فالدوائر التي يمثلها مسؤول واحد، والانتخابات التي تُحسم بالأغلبية النسبية، والسباقات الرئاسية القائمة على قاعدة "الفائز يأخذ كل شيء"، كلها عوامل تكافئ الائتلافات العريضة القادرة على احتلال المركز الأول، لا الأحزاب الأصغر القادرة فقط على تحقيق مركز ثانٍ قوي.
وتختلف قواعد الترشح والاقتراع من ولاية إلى أخرى، بينما تتركز موارد جمع التبرعات وبيانات الناخبين وكوادر الحملات الانتخابية داخل أسوار الحزبين الراسخين. ومن ثم، يجد الناخبون أنفسهم وجها لوجه أمام معضلة إستراتيجية: إما دعم الحزب الكبير الأقرب لتوجهاتهم، أو المساهمة غير المباشرة في دعم الحزب الكبير الذي يعارضونه.
والنتيجة هي نظام قد تستطيع فيه الأحزاب الثالثة التأثير في الأجندات السياسية، أو معاقبة شاغلي المناصب، أو تسريع وتيرة إعادة التموضع السياسي، لكنها نادرا ما تصمد ككيانات وطنية حاكمة.
وتبقى حملة ثيودور روزفلت التقدمية في عام 1912 الاستثناء التاريخي الأبرز؛ فقد حاز نحو 27% من أصوات الناخبين و88 صوتا في المجمع الانتخابي، متفوقا على الجمهوري وليام هوارد تافت لكنه مُني بخسارة حاسمة أمام وودرو ويلسون.
وفي عام 1968، استطاع جورج والاس حسم 5 ولايات لصالحه. بينما حصد روس بيرو ما يقارب 19% من أصوات الناخبين على مستوى البلاد في عام 1992 دون أن يظفر بأي صوت انتخابي.
وتكشف هذه النماذج عن ثلاثة أشكال متباينة من النفوذ -تتمثل في تمزيق ائتلاف قائم، أو تركيز الأصوات مناطقيا، أو حشد الاحتجاجات على نطاق وطني- إلا أنها لا تقدم مخرجا مستداما من نظام الحزبين. بل إن الحصول على نسب مرتفعة من الأصوات قد لا يسفر عن أي قوة مؤسسية تُذكر.
يشرح دانيال شلوزمان وسام روزنفيلد الأسباب الكامنة وراء عجز الشخصيات البارزة والجماهير المتابعة عن تشكيل حزب بمفردها. فهما يتتبعان في كتابهما "الأحزاب الجوفاء" انحسار تلك التنظيمات التي طالما ربطت يوما بين الحركات الاجتماعية والنشطاء المحليين والقادة الوطنيين.
فالأحزاب المعاصرة تحتفظ بآليات انتخابية مهيبة، لكنها تخلت عن العديد من وظائفها لصالح المرشحين، والمتبرعين، والمستشارين، وجماعات الضغط، والمنصات الإعلامية.
ويمتلك كارلسون منبرا إعلاميا جبارا بينما تتمتع غرين بهوية سياسية واضحة المعالم. لكن نقطة ضعفهما تكمن في التنظيم؛ فلا جمهور البودكاست، ولا صورة تحظى بانتشار واسع، يوفران فروعا محلية (مثل النوادي أو الجمعيات الخيرية أو النقابات المحلية)، أو قواعد للعضوية، أو آليات للتدرج في القيادة، أو عملية لاختيار المرشحين، أو عملا مدنيا متواصلا على مدار العام.
ومن ثم، فإن إنشاء كيان سياسي يتمحور حول الشخصيات قد يعيد إنتاج حالة الفراغ التنظيمي التي ينتقدها في الأساس.
وتضيف كاثرين كريمل في كتابها "الديمقراطية المتشعبة" صعوبة ثانية. فمع انتقال المنافسة الحزبية الأمريكية من ثقافة المحسوبية والمنافع المادية المحلية نحو سياسات قائمة على مواقف محددة بوضوح متزايد، عمد الديمقراطيون والجمهوريون إلى حياكة حزم متباينة من القضايا. وقد يتمكن كارلسون وغرين من التعبير عن حالة الاستياء العام تجاه الحرب، وتركزها في أيدي فئة قليلة جدا، وانعدام الثقة بالمانحين.
لكن يتعين أيضا على أي حزب يتمتع بالاستقرار اتخاذ مواقف واضحة بشأن الهجرة، والإجهاض، والضرائب، والرعاية الصحية، وقضايا العِرق والنوع الاجتماعي (الجندر)، والمناخ، والحدود الدستورية للسلطة التنفيذية. وما إن تُحدد تلك المواقف بدقة، فإن التمرد الذي بدا عريضا في أول الأمر سرعان ما يتقلص إلى فصائل أيديولوجية متمايزة.
أما جورجيا كيرنيل فتنقل -في كتابها "داخل الأحزاب"- الاهتمام من الرسائل الخطابية إلى القواعد الناظمة. وتُظهر دراستها المقارنة أن الترتيبات الداخلية هي التي تحدد هوية المنتسبين، وآلية اختيار القادة، ومدى استجابة الأحزاب لجمهورها.
وسيتعين على أي تنظيم ينشئه كارلسون وغرين أن يقرر ما إذا كان للأعضاء صلاحيات فعلية ذات مغزى أم إنهم مجرد جهة تصادق على القرارات التي يتخذها المؤسسون والمشاهير الإعلاميون. فالانفتاح قد يوسع دائرة المشاركة، بينما الإجراءات المتماسكة تكفل المساءلة. وبغياب العنصرين معا، قد تصبح كلمة "حركة" مجرد اسم آخر لجمهور من الأتباع.
وتجعل ديدي كو في كتابها "التراجع الكبير" الرهانات الديمقراطية أكثر جلاء. فتاريخ الأحزاب الجماهيرية الذي تقدمه يؤكد أن الديمقراطية السليمة تحتاج إلى تنظيمات تجمع المصالح المختلفة، وتستقطب القادة، وتربط المواطنين بالحكومة بصورة مستمرة.
ويتوصل بن ويكلر -في مؤلفه "هذه هي الخطة"- إلى نتيجة مشابهة مستوحاة من الممارسة؛ إذ يعتمد النفوذ السياسي المستدام على التنظيم الدائم المتجذر محليا، لا على موجات الحماس الرئاسي العابرة.
وعند قراءة هذه الأعمال مجتمعة، يتبين أن الاختبار الحقيقي لا يكمن في قدرة كارلسون وغرين على جذب الأنظار، وإنما في قدرتهما على بناء مؤسسات تخضع للمحاسبة بين الانتخابات، وما إذا كانت هذه المؤسسات قادرة على الصمود في وجه الخلافات مع مؤسسيها أنفسهم.
المسألة الدينية.. الإيمان والتعددية الديمقراطية واليقين المقدس
من شبه المؤكد أن الدين سيؤثر في اللغة السياسية التي ستستخدمها مثل هذه الحركة. فقد بات كارلسون يتحدث بصورة متزايدة بلغة تستند إلى مفاهيم ثقافية مسيحية، فقد وصف النزاعات السياسية مرارا بأنها صراعات روحية. أما غرين، فقد تبنت علنا مصطلح "القومية المسيحية".
ومع ذلك، فإن ائتلافهما الحديث يرتكز أيضا على معارضة الحرب مع إيران، وانتقاد سياسة الولايات المتحدة تجاه إسرائيل، فضلا عن تصريح كارلسون بأن أي رئيس لا ينبغي له السخرية من الإسلام. على أن هذه الخلطة لا ترقى بالضرورة إلى مرتبة التعددية الدينية. وكما أشرت في مقالات سابقة، فإن توجه كارلسون المناهض للتدخلات الخارجية قد يمثل إعادة ضبط للأولويات القومية، لا مجرد رفض للإطار الحضاري الذي يمكن أن يدمغ المسلمين بصفة الغرباء.
وهذا التمييز بالغ الأهمية؛ فالحزب المصبوغ بمسحة دينية يمكنه إثراء النقاش الديمقراطي شريطة أن ترفد القيم الدينية أخلاقيات ضبط النفس، واحتواء التنوع، والمساءلة، والكرامة الإنسانية، ومعارضة قتل المدنيين بغض النظر عن جنسياتهم أو أديانهم.
بيد أن هذا الخطاب قد يُضيِّق نطاق الديمقراطية إذا تحولت المسيحية إلى معيار للمواطنة الحقة، أو صُوِّر الخصوم السياسيون كأعداء للرب، أو عوملت المطالب السياسية باعتبارها إرادة إلهية بمنأى عن النقاش أو التسوية.
وتكتسي المقارنة التي طورتها في مقالي بعنوان "حين تصبح المسيحانية سياسة"، أهميتها دون مطابقة تامة بين القومية المسيحية الأمريكية والتطرف الديني الإسرائيلي. فالخطر الديمقراطي المشترك ذو طبيعة بنيوية، فعندما تكتسب الغايات السياسية يقينا مقدسا، تبدو التسوية وكأنها خيانة، ويغدو الخصوم عقبات تقف في طريق القدر المرسوم.
وعليه، فإن اعتذار غرين الشخصي الأخير عن الانخراط في "السياسة السامة" يكتسب دلالة، لكن معناه الديمقراطي سيتحدد وفقا للممارسة المؤسسية -من قواعد، ومرشحين، وخطاب، ومعاملة للمخالفين- لا بناءً على الاعتراف وحده.
إن شلوزمان، وروزنفيلد، وكيرنيل، وكو، يوجهون الأنظار جميعا بعيدا عن المؤسسين الكاريزميين ونحو المؤسسية المنظمة. فالحزب الذي يسمح بالتنافس الداخلي، وتداول القيادة، ويرفض العنف السياسي، ويصون المساواة في المواطنة، ويبقى خاضعا للمساءلة أمام أعضائه، يمكنه أن يحول حالة الاغتراب السياسي إلى مشاركة فاعلة. أما الكيان المحكوم بالوحي، والولاء الأعمى، والإقصاء، فلن ينجح سوى في تأجيج الخواء والاستقطاب اللذين يدعي أنه جاء لعلاجهما.
وهكذا، فإن السؤال الحاسم لا يتعلق بمدى التدين الذي قد تبدو عليه هذه الحركة المرتقبة؛ فالسياسة الأمريكية طالما احتوت على لغة دينية، بل تكمن العبرة فيما تشرعه وتجيزه تلك اللغة. فهل تفلح نسختهم من القومية المسيحية في كبح السلطة أم تقديسها؟ وهل توسع دائرة الاهتمام الأخلاقي أم تحرس حدود الانتماء وتضبطها؟
وإلى أن يقدم كارلسون وغرين وشركاؤهما قواعد واضحة ومرشحين وبرنامجا سياسيا محددا، لا يمكن إصدار حكم قطعي. وعليه، فإن تداعيات هذه الحركة على التعددية الديمقراطية ستتجلى بوضوح في بنيتها التنظيمية، وطريقة تعاملها مع المعارضة، وتعريفها للعضوية السياسية، لا في مجرد الحماس الذي تثيره أو في تنوع المعارضين السياسيين الذين تستضيفهم.
مديرة برنامج كاهان للأمم المتحدة في قسم الشؤون العالمية بكلية أوكسيدنتال في الولايات المتحدة.
ثمة أمر ذو تبعات سياسية مهمة يتشكل داخل اليمين الأمريكي، لكن ليس من الدقة بمكان بعدُ اعتباره حزبا جديدا. فقد ذهب تاكر كارلسون أبعد من غيره في هذا الاتجاه. ففي مقابلة أجريت معه في يوليو/تموز 2026، ونقلتها صحيفة الغارديان (The Guardian)، قال إن الديمقراطيين والجمهوريين يتحركون في مسألة "الحرب والتمويل" بتضامن مطلق وتناغم تام، مما أفرز ما سماه "دولة الحزب الواحد التي ترتدي قناع الديمقراطية".
ثم قطع تعهدا واضحا لا لبس فيه قائلا: "سأساعد في بناء حزب ثالث". بيد أنه لم يقترح اسما للحزب، أو هيكلا تنظيميا، أو إستراتيجية لخوض الانتخابات، أو مرشحين، مستدركا بالقول: "لا أُريد أن أكون مرشحا".
وأشارت الصحيفة نفسها إلى أنه كان قد صرح لصحيفة نيويورك تايمز (The New York Times) قبل أسابيع قليلة فقط بأن أي حزب ينبغي أن يعبر عن قطاع عريض من الأمريكيين، لكنه أكد أنه "حتما لن" يقوم بإنشائه. هكذا تبدو النية معلنة، بينما يظل الكيان المنشود مجرد فكرة.
أما موقف مارجوري تايلور غرين -وهي سياسية أمريكية وعضوة سابقة في مجلس النواب عن الحزب الجمهوري- فيحمل بدوره طابعا تمرديا، لكنه أكثر تحديدا. ففي أعقاب إعلان كارلسون استحالة مواصلة دعمه للجمهوريين، كتبت غرين معلقة: "الكثيرون منا" قد سئموا من حزب خان ناخبيه، مؤكدة في الوقت نفسه أنهم لن ينضموا إلى الحزب الديمقراطي.
وقد وثقت صحف مثل فايننشال تايمز (Financial Times) ووول ستريت جورنال (The Wall Street Journal) وواشنطن بوست (The Washington Post) هذا الشرخ الأكبر؛ إذ انفض كارلسون وغرين وشخصيات أخرى من تيار "أمريكا أولا" عن الرئيس دونالد ترمب وقادة الحزب الجمهوري، وكان الخلاف أشد ما يكون ووضوحا في قضايا الحرب مع إيران، والدعم الأمريكي لإسرائيل، ومعنى النأي بالنفس عن التدخلات الخارجية.
واشتدت حدة التكهنات بعدما نشرت غرين صورة تجمعها بكارلسون والنائب توماس ماسي والمسؤول السابق في مكافحة الإرهاب جو كينت، في منزل كارلسون بولاية مين، وذيّلتها بهذا التعليق: "قلنا لا مزيد من الحروب الخارجية. وكنا نعني ما نقول… لقد بدأت الحركة".
لكن عندما سُئلت بشكل مباشر، في برنامج "فايرينغ لاين" على شبكة بي بي إس (PBS)، عما إذا كانوا بصدد إطلاق حزب سياسي جديد، أجابت: "إذا تحدثنا عن حزب ثالث منظم هنا، فالإجابة لا".. وقالت إن مسعى من هذا القبيل بحاجة إلى حركة جماهيرية حاشدة، ولن يتحقق ذلك خلال "دورة انتخابية أو دورتين". ولدى إلحاح المحاور في السؤال، ختمت بالقول: "إن الحركة تُبنى بالفعل".
وعليه، فإن الوصف الأدق هو وجود شبكة ناشئة مناهضة للمؤسسة التقليدية، وليست بعدُ حزبا ثالثا مسجلا أو منتظما.
الاختبار التاريخي.. لماذا نادرا ما تصبح الأحزاب الثالثة أحزابا حاكمة؟
تصطدم الأحزاب الثالثة في الساحة السياسية الأمريكية ببنية سياسية بالغة الصرامة؛ فالدوائر التي يمثلها مسؤول واحد، والانتخابات التي تُحسم بالأغلبية النسبية، والسباقات الرئاسية القائمة على قاعدة "الفائز يأخذ كل شيء"، كلها عوامل تكافئ الائتلافات العريضة القادرة على احتلال المركز الأول، لا الأحزاب الأصغر القادرة فقط على تحقيق مركز ثانٍ قوي.
وتختلف قواعد الترشح والاقتراع من ولاية إلى أخرى، بينما تتركز موارد جمع التبرعات وبيانات الناخبين وكوادر الحملات الانتخابية داخل أسوار الحزبين الراسخين. ومن ثم، يجد الناخبون أنفسهم وجها لوجه أمام معضلة إستراتيجية: إما دعم الحزب الكبير الأقرب لتوجهاتهم، أو المساهمة غير المباشرة في دعم الحزب الكبير الذي يعارضونه.
والنتيجة هي نظام قد تستطيع فيه الأحزاب الثالثة التأثير في الأجندات السياسية، أو معاقبة شاغلي المناصب، أو تسريع وتيرة إعادة التموضع السياسي، لكنها نادرا ما تصمد ككيانات وطنية حاكمة.
وتبقى حملة ثيودور روزفلت التقدمية في عام 1912 الاستثناء التاريخي الأبرز؛ فقد حاز نحو 27% من أصوات الناخبين و88 صوتا في المجمع الانتخابي، متفوقا على الجمهوري وليام هوارد تافت لكنه مُني بخسارة حاسمة أمام وودرو ويلسون.
وفي عام 1968، استطاع جورج والاس حسم 5 ولايات لصالحه. بينما حصد روس بيرو ما يقارب 19% من أصوات الناخبين على مستوى البلاد في عام 1992 دون أن يظفر بأي صوت انتخابي.
وتكشف هذه النماذج عن ثلاثة أشكال متباينة من النفوذ -تتمثل في تمزيق ائتلاف قائم، أو تركيز الأصوات مناطقيا، أو حشد الاحتجاجات على نطاق وطني- إلا أنها لا تقدم مخرجا مستداما من نظام الحزبين. بل إن الحصول على نسب مرتفعة من الأصوات قد لا يسفر عن أي قوة مؤسسية تُذكر.
يشرح دانيال شلوزمان وسام روزنفيلد الأسباب الكامنة وراء عجز الشخصيات البارزة والجماهير المتابعة عن تشكيل حزب بمفردها. فهما يتتبعان في كتابهما "الأحزاب الجوفاء" انحسار تلك التنظيمات التي طالما ربطت يوما بين الحركات الاجتماعية والنشطاء المحليين والقادة الوطنيين.
فالأحزاب المعاصرة تحتفظ بآليات انتخابية مهيبة، لكنها تخلت عن العديد من وظائفها لصالح المرشحين، والمتبرعين، والمستشارين، وجماعات الضغط، والمنصات الإعلامية.
ويمتلك كارلسون منبرا إعلاميا جبارا بينما تتمتع غرين بهوية سياسية واضحة المعالم. لكن نقطة ضعفهما تكمن في التنظيم؛ فلا جمهور البودكاست، ولا صورة تحظى بانتشار واسع، يوفران فروعا محلية (مثل النوادي أو الجمعيات الخيرية أو النقابات المحلية)، أو قواعد للعضوية، أو آليات للتدرج في القيادة، أو عملية لاختيار المرشحين، أو عملا مدنيا متواصلا على مدار العام.
ومن ثم، فإن إنشاء كيان سياسي يتمحور حول الشخصيات قد يعيد إنتاج حالة الفراغ التنظيمي التي ينتقدها في الأساس.
وتضيف كاثرين كريمل في كتابها "الديمقراطية المتشعبة" صعوبة ثانية. فمع انتقال المنافسة الحزبية الأمريكية من ثقافة المحسوبية والمنافع المادية المحلية نحو سياسات قائمة على مواقف محددة بوضوح متزايد، عمد الديمقراطيون والجمهوريون إلى حياكة حزم متباينة من القضايا. وقد يتمكن كارلسون وغرين من التعبير عن حالة الاستياء العام تجاه الحرب، وتركزها في أيدي فئة قليلة جدا، وانعدام الثقة بالمانحين.
لكن يتعين أيضا على أي حزب يتمتع بالاستقرار اتخاذ مواقف واضحة بشأن الهجرة، والإجهاض، والضرائب، والرعاية الصحية، وقضايا العِرق والنوع الاجتماعي (الجندر)، والمناخ، والحدود الدستورية للسلطة التنفيذية. وما إن تُحدد تلك المواقف بدقة، فإن التمرد الذي بدا عريضا في أول الأمر سرعان ما يتقلص إلى فصائل أيديولوجية متمايزة.
أما جورجيا كيرنيل فتنقل -في كتابها "داخل الأحزاب"- الاهتمام من الرسائل الخطابية إلى القواعد الناظمة. وتُظهر دراستها المقارنة أن الترتيبات الداخلية هي التي تحدد هوية المنتسبين، وآلية اختيار القادة، ومدى استجابة الأحزاب لجمهورها.
وسيتعين على أي تنظيم ينشئه كارلسون وغرين أن يقرر ما إذا كان للأعضاء صلاحيات فعلية ذات مغزى أم إنهم مجرد جهة تصادق على القرارات التي يتخذها المؤسسون والمشاهير الإعلاميون. فالانفتاح قد يوسع دائرة المشاركة، بينما الإجراءات المتماسكة تكفل المساءلة. وبغياب العنصرين معا، قد تصبح كلمة "حركة" مجرد اسم آخر لجمهور من الأتباع.
وتجعل ديدي كو في كتابها "التراجع الكبير" الرهانات الديمقراطية أكثر جلاء. فتاريخ الأحزاب الجماهيرية الذي تقدمه يؤكد أن الديمقراطية السليمة تحتاج إلى تنظيمات تجمع المصالح المختلفة، وتستقطب القادة، وتربط المواطنين بالحكومة بصورة مستمرة.
ويتوصل بن ويكلر -في مؤلفه "هذه هي الخطة"- إلى نتيجة مشابهة مستوحاة من الممارسة؛ إذ يعتمد النفوذ السياسي المستدام على التنظيم الدائم المتجذر محليا، لا على موجات الحماس الرئاسي العابرة.
وعند قراءة هذه الأعمال مجتمعة، يتبين أن الاختبار الحقيقي لا يكمن في قدرة كارلسون وغرين على جذب الأنظار، وإنما في قدرتهما على بناء مؤسسات تخضع للمحاسبة بين الانتخابات، وما إذا كانت هذه المؤسسات قادرة على الصمود في وجه الخلافات مع مؤسسيها أنفسهم.
المسألة الدينية.. الإيمان والتعددية الديمقراطية واليقين المقدس
من شبه المؤكد أن الدين سيؤثر في اللغة السياسية التي ستستخدمها مثل هذه الحركة. فقد بات كارلسون يتحدث بصورة متزايدة بلغة تستند إلى مفاهيم ثقافية مسيحية، فقد وصف النزاعات السياسية مرارا بأنها صراعات روحية. أما غرين، فقد تبنت علنا مصطلح "القومية المسيحية".
ومع ذلك، فإن ائتلافهما الحديث يرتكز أيضا على معارضة الحرب مع إيران، وانتقاد سياسة الولايات المتحدة تجاه إسرائيل، فضلا عن تصريح كارلسون بأن أي رئيس لا ينبغي له السخرية من الإسلام. على أن هذه الخلطة لا ترقى بالضرورة إلى مرتبة التعددية الدينية. وكما أشرت في مقالات سابقة، فإن توجه كارلسون المناهض للتدخلات الخارجية قد يمثل إعادة ضبط للأولويات القومية، لا مجرد رفض للإطار الحضاري الذي يمكن أن يدمغ المسلمين بصفة الغرباء.
وهذا التمييز بالغ الأهمية؛ فالحزب المصبوغ بمسحة دينية يمكنه إثراء النقاش الديمقراطي شريطة أن ترفد القيم الدينية أخلاقيات ضبط النفس، واحتواء التنوع، والمساءلة، والكرامة الإنسانية، ومعارضة قتل المدنيين بغض النظر عن جنسياتهم أو أديانهم.
بيد أن هذا الخطاب قد يُضيِّق نطاق الديمقراطية إذا تحولت المسيحية إلى معيار للمواطنة الحقة، أو صُوِّر الخصوم السياسيون كأعداء للرب، أو عوملت المطالب السياسية باعتبارها إرادة إلهية بمنأى عن النقاش أو التسوية.
وتكتسي المقارنة التي طورتها في مقالي بعنوان "حين تصبح المسيحانية سياسة"، أهميتها دون مطابقة تامة بين القومية المسيحية الأمريكية والتطرف الديني الإسرائيلي. فالخطر الديمقراطي المشترك ذو طبيعة بنيوية، فعندما تكتسب الغايات السياسية يقينا مقدسا، تبدو التسوية وكأنها خيانة، ويغدو الخصوم عقبات تقف في طريق القدر المرسوم.
وعليه، فإن اعتذار غرين الشخصي الأخير عن الانخراط في "السياسة السامة" يكتسب دلالة، لكن معناه الديمقراطي سيتحدد وفقا للممارسة المؤسسية -من قواعد، ومرشحين، وخطاب، ومعاملة للمخالفين- لا بناءً على الاعتراف وحده.
إن شلوزمان، وروزنفيلد، وكيرنيل، وكو، يوجهون الأنظار جميعا بعيدا عن المؤسسين الكاريزميين ونحو المؤسسية المنظمة. فالحزب الذي يسمح بالتنافس الداخلي، وتداول القيادة، ويرفض العنف السياسي، ويصون المساواة في المواطنة، ويبقى خاضعا للمساءلة أمام أعضائه، يمكنه أن يحول حالة الاغتراب السياسي إلى مشاركة فاعلة. أما الكيان المحكوم بالوحي، والولاء الأعمى، والإقصاء، فلن ينجح سوى في تأجيج الخواء والاستقطاب اللذين يدعي أنه جاء لعلاجهما.
وهكذا، فإن السؤال الحاسم لا يتعلق بمدى التدين الذي قد تبدو عليه هذه الحركة المرتقبة؛ فالسياسة الأمريكية طالما احتوت على لغة دينية، بل تكمن العبرة فيما تشرعه وتجيزه تلك اللغة. فهل تفلح نسختهم من القومية المسيحية في كبح السلطة أم تقديسها؟ وهل توسع دائرة الاهتمام الأخلاقي أم تحرس حدود الانتماء وتضبطها؟
وإلى أن يقدم كارلسون وغرين وشركاؤهما قواعد واضحة ومرشحين وبرنامجا سياسيا محددا، لا يمكن إصدار حكم قطعي. وعليه، فإن تداعيات هذه الحركة على التعددية الديمقراطية ستتجلى بوضوح في بنيتها التنظيمية، وطريقة تعاملها مع المعارضة، وتعريفها للعضوية السياسية، لا في مجرد الحماس الذي تثيره أو في تنوع المعارضين السياسيين الذين تستضيفهم.
الوسوم
#بينما
#حزب
#فإن
#كارلسون
#السياسية
#الأحزاب
#الحزب
#الديمقراطية
#فقد
#غرين
ابقَ على تواصل
كن الأول في معرفة أخر المستجدات فور حدوثها
ابقَ اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى واتساب مباشرة فور النشر.
تم الاشتراك بنجاح ✅
اقرأ أيضاً
01