تعرض الآن النسخة الكاملة · خط أكبر 20%
الأحد، 25 تشرين الأول 2026عمّان 23°غبار بورصة عمّان4,125.76▼ 0.32%

المعرفة بعمق · اراء و تقارير · مقالات · دراسات وابحاث

ابحث في العمق

مقالات · الوسط

ما وراء التوتر بين أنقرة وباكو؟

· 6 دقائق قراءة

113
ما وراء التوتر بين أنقرة وباكو؟

عمان 1 - كمال أوزتورك

كاتب وصحفي تركي.

هذا هو السؤال الذي يطرحه علي الجميع هذه الأيام، والمثير للاهتمام أنه أصبح أيضا أكثر موضوع نتساءل عنه فيما بيننا في تركيا خلال الفترة الأخيرة.

سأشرح لكم الوضع، لكن اسمحوا لي أولا أن أروي بعض الحكايات القصيرة.

دولتان تربطهما صلة الدم

تختلف اللغة التركية الأذربيجانية عن التركية المستخدمة في إسطنبول اختلافا طفيفا، لكن المتحدثين بهما يستطيعون فهم بعضهم بعضا. والحقيقة أن التركية الأذربيجانية أكثر أصالة وأقرب إلى اللغة التركية الأصلية، في حين تضم التركية المستخدمة في إسطنبول عددا أكبر من الكلمات المأخوذة من لغات أخرى نتيجة تأثير الحقبة الإمبراطورية.

وعلى المستوى الشخصي، لدي اهتمام خاص بأذربيجان والأتراك الذين يعيشون فيها. فأجدادي من أتراك القفجاق، وقد أقاموا فترة في أذربيجان خلال هجرتهم من هناك إلى الأناضول إبان الحرب العثمانية الروسية.

وبعد سنوات، زرت تلك المناطق في أذربيجان بحثا عن آثار أجدادي، وحينها لاحظت مدى التشابه بين اللغة التي يتحدث بها السكان والأغاني الشعبية التي يرددونها وتصرفاتهم مع لغة والدي وكبار أفراد عائلتي وأغانيهم وتصرفاتهم.

ولهذا أشعر بقرب عاطفي خاص من أذربيجان وأحبها كثيرا، وفي هاتفي عشرات الأغاني الشعبية الأذربيجانية المسجلة التي أستمع إليها باستمرار.

خلاف بين شقيقين

من الطبيعي أن يتساءل الناس عن سبب التوتر بين شعبين شقيقين ودولتين صديقتين، ولماذا تواجه العلاقات بينهما مشكلات.

فنحن نتحدث اللغة نفسها، ونؤمن بالدين نفسه، وقد عشنا معا خلال فترات من تاريخنا، وحاربنا جنبا إلى جنب ضد العدو، وتربطنا أخوة الدم، كما أن علاقاتنا ممتازة في المجالات الاقتصادية والعسكرية والثقافية كافة.

فماذا حدث إذن؟

في الواقع، يمكن تشبيه العلاقات بين البلدين بالخلافات التي تنشب من حين إلى آخر بين الأشقاء. فمهما تشاجر الإخوة، لا يستطيعون في النهاية التخلي عن بعضهم بعضا بسبب صلة الدم التي تجمعهم.

هكذا أنظر إلى الوضع إلى حد ما، لكن التوتر بين دولتين مهمتين في المنطقة والعالم التركي يلفت بطبيعة الحال انتباه الجميع.

صدمات أعاد حظر الحجاب إحياءها

شهدت العلاقات بين البلدين في السنوات الماضية خلافات اتسمت بشيء من الحدة، لكنها كانت تنتهي غالبا بالتفاهم. أما الخلاف الأخير، فقد بدأ بسبب حظر الحجاب الذي فرض في أذربيجان على طالبات المدارس الابتدائية، ثم على المعلمات.

وكما تعلمون، استمر حظر الحجاب في تركيا سنوات طويلة جدا، وعانى المجتمع التركي بسببه معاناة شديدة. فقد حرمت آلاف الفتيات من التعليم، وواجهت أسرهن مشكلات جسيمة، ولم تتمكن المحجبات من شغل وظائف حكومية، بل منعن حتى من دخول بعض المؤسسات الرسمية.

واستمرت الاحتجاجات على حظر الحجاب سنوات طويلة، وحوكم آلاف الأشخاص وسجنوا بسببها. كما طرد من القوات المسلحة عسكريون كانت زوجاتهم يرتدين الحجاب، مما تسبب في مآس عائلية كبيرة، وشهدت المدارس والمراسم الرسمية والمؤسسات الحكومية طوال عقود مشاهد لن تمحى من الذاكرة.

وقد خلفت هذه الأحداث كلها صدمات سياسية واجتماعية عميقة في المجتمع التركي. وجاء منع الأطفال في أذربيجان من حضور الدروس، وما تعرض له أولياء الأمور من معاناة بسبب ذلك، ومنع المعلمات من دخول المدارس، ليعيد إحياء تلك الصدمات في تركيا.

فالمشاهد المتشابهة والمعاناة والمشاعر نفسها أثارت ردود فعل على وسائل التواصل الاجتماعي في تركيا لدى أشخاص ما زالوا يحملون آثار تلك الصدمات.

وكتب كثيرون انتقادات بناءة، مع مراعاة روابط الأخوة بين البلدين، وحاولوا توضيح أن هذه الإجراءات ليست صحيحة. لكن ظهر بينهم أيضا من صعد حدة الانتقادات، واستخدم عبارات قاسية، بل وصل بعضهم إلى التهديد والإهانة.

ومن الطبيعي أن تثير هذه الانتقادات ردود فعل في الإعلام الأذربيجاني، الذي نشر بدوره مواد سلبية عن تركيا.

لكن ما أجج الخلاف هو انتقاد نائب من حزب العدالة والتنمية في البرلمان التركي وأحد مستشاري الرئيس أردوغان حظر الحجاب، وإن كان ذلك بلغة معتدلة.

وعقب ذلك، عبر التلفزيون الرسمي الأذربيجاني وعدد من النواب عن ردود فعلهم. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ أصدر القضاء الأذربيجاني مذكرات توقيف دولية بحق عدد من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي والكتاب، وطلب من تركيا توقيف هؤلاء الأشخاص وتسليمهم.

جهود هاكان فيدان وعامل تنظيم غولن

في خضم الأزمة، توجه وزير الخارجية هاكان فيدان إلى باكو للمشاركة في القمة السابعة لمؤتمر التفاعل وإجراءات بناء الثقة في آسيا (سيكا).

وبعد لقائه المنفرد مع الرئيس علييف، شدد في تصريحاته للإعلام على أهمية العلاقات بين البلدين، مؤكدا أنها لن تتدهور أبدا، وساد الاعتقاد بعد هذا اللقاء وتلك التصريحات بأن الأزمة ستهدأ، لكن ذلك لم يحدث.

فبعد يوم واحد من مغادرة هاكان فيدان باكو، نشر أحد المنابر الإعلامية المقربة من السلطة في أذربيجان خبرا مثيرا للدهشة، زعم أن فيدان زار منظمة مجتمع مدني في باكو، وقدم خلال الزيارة توجيهات تدعو إلى إسقاط حكم علييف.

وكان الخبر معدا بطريقة تفتقر إلى الاحترافية إلى حد كبير، وحذف بعد فترة من نشره، لكن لقطات منه ظلت تتداولها حسابات عديدة على وسائل التواصل الاجتماعي.

وكتب صحفيون يعرفون أذربيجان جيدا أن من بين الذين أعدوا الخبر عناصر تابعة لتنظيم غولن (فيتو)، الذي يعد أكبر أعداء تركيا.

وكان أعضاء التنظيم في موسكو والولايات المتحدة ينشرون منذ أيام مواد إعلامية مكثفة بهدف زيادة تدهور العلاقات بين البلدين، ولا ينبغي أن ننسى أن هاكان فيدان هو أكثر شخصية يستهدفها تنظيم غولن بعد أردوغان.

تأثير إيران وإسرائيل

مع اندلاع الأزمة، تعرضت العلاقات الأذربيجانية الإسرائيلية أيضا لانتقادات واسعة في تركيا. فقد أثارت زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى باكو عبر الخطوط الجوية الأذربيجانية، مرورا بالمجال الجوي التركي، ولقاءاته المنفردة مع علييف، انتقادات شديدة من أوساط تولي اهتماما كبيرا بالقضية الفلسطينية.

ورد الإعلام الأذربيجاني بالإقرار بقوة العلاقات مع إسرائيل، موضحا أن هذه العلاقات تندرج ضمن السياسات الخاصة بأذربيجان بوصفها دولة مستقلة، وأنها تواصل كذلك تقديم المساعدات للشعب الفلسطيني. بل إن بعضهم انتقد هاكان فيدان، معتبرا أن مغادرته القاعة أثناء حديث هرتسوغ وضعت أذربيجان في موقف صعب.

لكن الحقيقة أن إسرائيل تكن عداء شديدا لتركيا إلى درجة أنها تتمنى من صميم قلبها تدهور العلاقات بين البلدين الشقيقين.

وهناك عامل آخر في هذه الأزمة، وهو إيران. فقد انتقد الإعلام الإيراني حظر الحجاب بصورة أوسع ولهجة أشد من الانتقادات الصادرة عن تركيا.

وتأثر بطبيعة الحال عدد كبير من الأذربيجانيين المنتمين إلى المذهب الشيعي بهذه التغطيات، ولذلك تصاعدت ردود الفعل الرافضة لحظر الحجاب.

وفي الوقت نفسه، فإن إيران دولة تنزعج منذ سنوات طويلة من التقارب بين تركيا وأذربيجان، وقد وصل بها الأمر إلى تقديم المساعدة لأرمينيا بعدما قدمت تركيا دعما عسكريا كبيرا لأذربيجان خلال حربها مع أرمينيا.

وأعتقد أنه لن يكون من الخطأ القول إن شخصيات داخل أذربيجان مقربة من إسرائيل وإيران تعمل على تأجيج هذه الأزمة وتصعيدها.

ستنتهي الأزمة عندما يأتي علييف إلى تركيا

سيعقد اجتماع مهم في أنقرة خلال نوفمبر/تشرين الثاني المقبل. ففي 30 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، ستستضيف أنقرة القمة الـ13 لمنظمة الدول الناطقة بالتركية.

وخلال هذه القمة، سيسلم علييف، الذي يتولى الرئاسة الدورية للمنظمة، الرئاسة إلى أردوغان. ومن المتوقع أن ينتهي التوتر بين البلدين عندما يصل علييف إلى أنقرة ويعقد لقاء منفردا مع أردوغان. لكن جهات سيئة النية بدأت منذ الآن تروج أن علييف لن يأتي إلى أنقرة، في محاولة لتعميق الأزمة.

ورغم ذلك، فقد وجه جميع المسؤولين الرسميين، بمن فيهم الرئيس أردوغان ورئيس حزب الحركة القومية دولت بهتشلي، رسائل ودية حتى الآن بهدف إنهاء الأزمة. كما لم تصدر أي انتقادات موجهة إلى أذربيجان عن المؤسسات الإعلامية الرسمية التركية أو المسؤولين الأتراك.

وأنا من الذين يعتقدون أن الخلاف بين (الدولتين) الشقيقتين سيهدأ بعد فترة. وربما طال أمده واشتدت حدته بعض الشيء بسبب تأثير إيران وإسرائيل.

لكن البلدين تربطهما علاقات عميقة في منطقة القوقاز وآسيا القريبة، وشراكة لا يمكن الاستغناء عنها، فضلا عن خطط مستقبلية مشتركة، ولهذا السبب، سينتهي الخلاف بعد فترة.

من مقالات

أحدث الأخبار