تعرض الآن النسخة الكاملة · خط أكبر 20%

المعرفة بعمق · اراء و تقارير · مقالات · دراسات وابحاث

ابحث في العمق

مقالات · الوسط

كل الشواهد تؤكد.. لماذا تبني إسرائيل خط بارليف جديدا في سوريا؟

بقلم: عمر كوش

· 5 دقائق قراءة

123
كل الشواهد تؤكد.. لماذا تبني إسرائيل خط بارليف جديدا في سوريا؟

عمان 1 -

عمر كوش

كاتب وباحث سوري.

لم تعد الأعمال العدوانية الإسرائيلية على سوريا تقتصر على الاعتداءات والتوغلات المتكررة منذ سقوط نظام الأسد، بل أخذت منحى جديدا مع عودة أعمال الحفر والتجريف والتحصين في مناطق من محافظة القنيطرة السورية، ضمن ما تطلق عليه إسرائيل اسم "مشروع سوفا 53" (العاصفة الكبرى).

طبيعة المشروع

يجري تنفيذ المشروع داخل المنطقة العازلة التي حددتها اتفاقية فض الاشتباك عام 1974، بعمق يتراوح بين 300 و1000 متر، بحسب مركز "سجل" المتخصص في رصد الانتهاكات الإسرائيلية، حيث يقوم الجيش الإسرائيلي بتجريف الأراضي، وحفر الخنادق، ورفع السواتر، وبناء التحصينات، ما يعني تدمير مساحات واسعة من الغطاء النباتي، بما في ذلك المراعي الطبيعية والأشجار المثمرة والبرية.

التساؤل الذي يبرز هنا، هو: هل تبني إسرائيل خط "بارليف" جديدا في سوريا؟ لأنه لا يقتصر على بناء جدران أو أسلاك شائكة، بل يشكل جزءا من عملية أوسع لإنتاج حدود أمنية إسرائيلية جديدة داخل الجغرافيا السورية، تشابه تلك التي بنتها إسرائيل في خط "بارليف" على الأرض المصرية.

وتقوم هندسته على بناء منظومة تحصين دفاعية متكاملة، تهدف إلى منع أي اختراق بري، وتشمل:

1. شق طريق عسكري مواز ومتصل، يصل عرضه إلى 8 أمتار، ويمتد نحو 70 إلى 90 كيلومترا، من أجل تسهيل النقل السريع للدوريات والآليات الإسرائيلية.

2. حفر خنادق ضخمة وعميقة على طول مسار الطريق، يبلغ عرضها عدة أمتار، من أجل عرقلة حركة المدرعات والآليات والمشاة.

3. بناء حواجز ترابية يصل ارتفاعها إلى حوالي 5 أمتار، بغية حجب الرؤية، وحماية التحركات العسكرية.

4. إنشاء نقاط تكنولوجية متقدمة، تشمل أبراج مراقبة متطورة، وأجهزة استشعار وكاميرات مراقبة دائمة.

تعود بداية المشروع إلى منتصف عام 2022، بإنشاء طريق عسكري لمرور الآليات الثقيلة، بالقرب من قرية "حضر" في شمالي محافظة القنيطرة، وتطور إلى بناء منظومة تشمل خنادق، وسواتر ترابية، ونقاط مراقبة، وتحصينات، وأعمالا هندسية أخرى. ثم أخذ المشروع يتمدد تدريجيا باتجاه الجنوب، مارا بمناطق قريبة من قرية "جباتا الخشب"، و"الحميدية" و"القحطانية" و"بئر عجم" و"بريقة"، وصولا إلى محيط قرية "العشة" في جنوبي المحافظة.

إذن، يرتبط المشروع بتصور أمني قديم نسبيا، يتعلق بمزاعم إسرائيلية اعتبرت أن الهدف منه منع هجمات محتملة من قبل جماعات مسلحة مدعومة من إيران. لكن هذه المزاعم يدحضها استمرار المشروع على الرغم من خروج المليشيات الإيرانية من سوريا مع سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024.

يشي استئناف إسرائيل أعمال الحفر والتجريف والتحصين في مطلع أكتوبر/تشرين الأول الجاري، بأنها ماضية في تنفيذ مخططها الأمني على حساب الأرض السورية.

وقد تحدث وزير الدفاع الإسرائيلي، في سبتمبر/ أيلول الماضي، عن المنطقة باعتبارها "منطقة أمنية"، فيما برر المندوب الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة ما تقوم به إسرائيل في المنطقة العازلة، بحاجتها إلى منع تهديدات عابرة للحدود، وهجوم شبيه بهجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول من الأراضي السورية.

ويتسق ما تقوم به إسرائيل مع تغير إستراتيجيتها حيال سوريا بعد مجيء الإدارة الجديدة، حيث باتت عقيدتها العسكرية تقوم على نقل التهديد خارج حدودها عبر بناء الخطوط، والأحزمة الأمنية، والمناطق الدفاعية المتقدمة داخل الأرض السورية.

الأهداف والمخاطر

يثير "مشروع سوفا 53" مسألة أكثر أهمية، تتجاوز طبيعته الهندسية والعسكرية، بوصفه طريقا عسكريا محصنا يمتد بمحاذاة الجولان السوري المحتل، وتتعلق بالغاية والأهداف الإسرائيلية منه، التي تتمحور حول إعادة هندسة المجال الجغرافي العسكري من جانب واحد.

وتتمثل أوجه الشبه بين منظومة "سوفا 53" وخط "بارليف" التاريخي، الذي بنته إسرائيل في سيناء بعد عام 1967، في كونهما يجسدان نفس العقيدة العسكرية الدفاعية القائمة على هندسة الجغرافيا بغية فرض أمر واقع جديد، ويتقاطعان في عدة نقاط إستراتيجية وهندسية من خلال اعتمادهما على السواتر الترابية والخنادق.

يُظهر ما تقوم به إسرائيل على الأرض السورية، أن ما بدأ مشروعا دفاعيا بمحاذاة الجولان المحتل، تطور ليعمل داخل نطاق أوسع من التوغلات الإسرائيلية في أراض سورية احتلت بعد الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024.

كما يظهر التسارع والتوسع الميداني الإسرائيلي في سوريا، أن طبيعة الأهداف الإسرائيلية، تتركز في محاولة استبدال الترتيبات الدولية التي وضعتها اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، بوقائع جديدة على الأرض تفرض عبر منظومة "سوفا 53" الأمنية، استباقا لأي مفاوضات مستقبلية بين دمشق وتل أبيب.

لا يتعلق الأمر بإقامة خط دفاعي لحماية الجولان، حسبما تبرر إسرائيل سياساتها الأمنية في المنطقة، لأن التحصينات، والطرق، والخنادق التي يبنيها الجيش الإسرائيلي على الأرض، تتحدد غايتها في إعادة تشكيل المجال الأمني في الجنوب السوري.

ويتطلب ذلك نقل مفهوم الحدود في المنطقة العازلة، التي حددتها وفق اتفاقية فض الاشتباك عام 1974 إلى نطاق جغرافي تحدده متطلبات الأمن الإسرائيلية، والوقائع العسكرية التي يفرضها الجيش الإسرائيلي على الأرض السورية.

تكمن خطورة المشروع على المستوى الجيوستراتيجي في أنه يبتلع أجزاء واسعة من المنطقة العازلة (منطقة الفصل) المحددة وفق اتفاقية 1974، إضافة إلى تجاوز خطوط المراقبة التي حددتها هذه الاتفاقية باتجاه العمق السوري، الأمر الذي يشكل انتهاكا ليس للاتفاقية الدولية فقط، بل للوضع القانوني والميداني للمنطقة والحدود.

أما خطورته الإستراتيجية المحتملة، فتكمن فيما يمكن أن يصبح عليه، إذا تحول إلى بنية عسكرية طويلة الأمد تفصل بين منطقتين، وتحدد حركة السكان والقوات واستخدام الأرض. ويتحول الأمر الواقع حين يستمر طويلا إلى ورقة تفاوض، وقد تتحول بدورها إلى قاعدة سياسية. وعليه، تريد إسرائيل من "سوفا 53" أن يكون إحدى أدواتها التي تعيد تعريف حدودها الأمنية في سوريا.

موقف دمشق

منذ البداية اتخذت الإدارة السورية موقفا براغماتيا، يمنح الأولوية لإعادة بناء الدولة وما دمره نظام الأسد، لكن إسرائيل اتخذت موقفا عدائيا سافرا، ولم تنقطع اعتداءاتها على سوريا منذ سقوط نظام الأسد.

غير أن الحكومة السورية اتخذت موقفا صارما حيال "مشروع سوفا 53″، حيث أدانت وزارة الخارجية السورية الانتهاكات والممارسات الإسرائيلية، واعتبرتها "خرقا فاضحا لاتفاقية فض الاشتباك لعام 1974 وانتهاكا صارخا لمبادئ القانون الدولي والسيادة الوطنية". لذلك تتمسك الحكومة السورية بالعودة إلى ترتيبات ما قبل 8 ديسمبر/كانون الأول، وباتفاقية فض الاشتباك.

تعي دمشق أن ما يقوم به جيش الاحتلال الإسرائيلي من إجراءات على أراضيها، ليس مجرد تحصينات دفاعية مؤقتة، بل يدخل في سياق بناء منظومة ممنهجة من التحصينات، غايتها إعادة رسم خط حدودي أمني بحكم الأمر الواقع ومنطق القوة والغطرسة.

تعكس الإستراتيجية الإسرائيلية حيال سوريا رغبة حثيثة في استغلال الظروف الانتقالية فيها، من أجل صياغة حدود أمنية وظيفية جديدة، تعيد رسم خطوط الاشتباك بما يخدم تفوق إسرائيل الإستراتيجي المطلق.

على الصعيد الدولي، يشكل ما تقوم به إسرائيل ضد سوريا اختبارا لمدى التزام المجتمع الدولي بحماية قواعد القانون الدولي، وعدم شرعنة سياسة فرض الأمر الواقع بالقوة. وذلك في ظل سعي الدولة السورية إلى تثبيت سيادتها الوطنية واستعادة دورها الإقليمي وسط تفاعلات دقيقة مع القوى الدولية والإقليمية.

ربما، يعتقد ساسة حكومة اليمين المتطرف أنهم يحققون نجاحات حين يفرض جيش الاحتلال جدرانه وخنادقه وسواتره الترابية، إلا أنها تظل مؤقتة، حيث تعاني هذه السياسات من هشاشة الاستدامة الإستراتيجية على المدى الطويل، لأنها تقوم على قهر السيادة الوطنية، والدفع بالأوضاع نحو مزيد من التوتر والتأزم.

وقد بيّنت الحروب الحديثة أن الخطوط الدفاعية والسواتر الترابية والخنادق لا يمكنها حماية أمن الدول بشكل مطلق، وأقصى ما يمكن أن تقوم به هو تعطيل تقدم العدو وكسب الوقت.

ويبدو أن ساسة إسرائيل لم يفهموا درس حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، حين اجتاز الجيش المصري خط بارليف، رغم تحصيناته الهائلة، والذي وصف بأنه أقوى خط دفاعي في التاريخ الحديث، ومع ذلك لم يصمد سوى ساعات قليلة أمام إرادة وتخطيط المصريين.

من مقالات

أحدث الأخبار