تخطي إلى المحتوى
البث

بعد 10 قرون.. ما زال البيروني أكثر أهمية من ماكس فيبر لهذه الأسباب

17 سبتمبر 2026 - 12:10 م
بعد 10 قرون.. ما زال البيروني أكثر أهمية من ماكس فيبر لهذه الأسباب
شارك:
253
عمان 1 : 
ياسين أقطاي
أكاديمي وسياسي وكاتب تركي.

كانت أوزبكستان طوال سنوات طويلة من البلدان التي تقع على مقربة من العالم، لكنها ظلت، بمعنى ما، بعيدة عنه. لطالما عرفنا أسماء سمرقند وبخارى وخيوة. وكان الإمام البخاري، والإمام الماتريدي، وبهاء الدين النقشبند، وأبو الريحان البيروني، والخوارزمي، وأولوغ بيك، حاضرين أصلا في ذاكرتنا الحضارية. لكن الوصول إلى الجغرافيا التي عاش فيها هؤلاء، والتجول في مدنهم، ورؤية آثار الحضارة العظيمة التي أسهموا في إنتاجها في مواضعها، لم يكن حاضرا في حياتنا بالقدر نفسه.
يتغير هذا الوضع بسرعة في السنوات الأخيرة. تفتح أوزبكستان أبوابها للعالم، وتشهد سمرقند وبخارى وخيوة تدفقا متزايدا للزوار. وقد جئنا نحن أيضا إلى أوزبكستان منجذبين إلى هذه الموجة.

حين يتجول المرء في أوزبكستان، لا يصادف مجرد مبان رائعة ومدارس وأضرحة. فالأسماء التي أنجبتها هذه الجغرافيا تحيي في أذهاننا أيضا أسئلة عن الكيفية التي يُروى بها تاريخ العالم. البخاري، والماتريدي، والخوارزمي، وابن سينا، والبيروني… يفتح كل واحد منهم بابا إلى عالم فكري واسع نقرؤه اليوم بعد أن قسمناه إلى تخصصات منفصلة.
من السهل أن نتذكر علم الفلك ونحن ننظر إلى السماء من مدارس سمرقند. لكن حين نفكر في كيفية فهم البشر الذين يعيشون تحت السماء نفسها بعضهم بعضا، وكيفية إدراك المعتقدات وأنماط الحياة المختلفة، وكيف تتلاقى وكيف يعرّف بعضها بعضا، يصبح من الضروري التوقف عند البيروني على وجه الخصوص.

ولد البيروني عام 973 في كاث، مركز خوارزم. ومن هذه الجغرافيا التاريخية تأتي صلته بأوزبكستان اليوم. وبالطبع لا يمكننا حصر خوارزم في ذلك العصر داخل حدود الدول الحالية؛ لكن الرحلة إلى أوزبكستان مناسبة وجيهة لاستذكار عالم العلم الذي نشأ فيه. فهذا العالم الكبير، الذي نعرفه بوصفه رياضيا وفلكيا وجغرافيا، يستحق بمنهجه في فهم الجماعات البشرية حضورا أوسع في تاريخ الفكر الاجتماعي. وتظهر حياة البيروني وأعماله أن البحث في الطبيعة والبحث في الإنسان يمكن أن يتغذيا من الفضول العلمي نفسه.
تعلمنا أن نذكر ابن خلدون حين نتحدث عن الماضي غير الغربي لعلم الاجتماع، أو للفكر الاجتماعي عموما. بل إننا أحيانا أعلناه مؤسسا لعلم الاجتماع، واختزلنا فكره في بضعة مفاهيم مألوفة. ومع ذلك، فإن الحديث عن إسهام ابن خلدون في الفكر الاجتماعي فتح نافذة مهمة في أذهاننا.
والحقيقة أن ابن خلدون وحده يكفي لتغيير السردية المتمركزة حول الغرب في التاريخ والفكر الاجتماعي. لكن حين نوسّع هذه النافذة قليلا وننظر إلى البيروني، الذي عاش قبله بنحو ثلاثة قرون، نرى أن ابن خلدون لم يكن، بتعبير جميل مريتش، النجم الوحيد في سمائه، بل كانت إلى جانبه كوكبة من النجوم كانت ثمرة تنوير عظيم أو سببا فيه. وأثناء التجول في سمرقند وبخارى وخيوة، يمكنكم اكتشاف العالم الذي أضاءته هذه النجوم.

وبالطبع فإن وصفه  بأنه عالم اجتماع أو عالم أنثروبولوجيا، كما هو الحال مع ابن خلدون، ينطوي على إسقاط زمني. لكن هذه الأسماء تذكّرنا بأن التفكير في المجتمع، والبحث في أنماط عيش الناس المختلفة، والتساؤل عن العلاقات بين المعتقدات والنظام الاجتماعي، كانت قائمة قبل ظهور علم الاجتماع أيضا. والبيروني واحد من الأسماء التي ينبغي ألا تُهمل في هذا التاريخ الطويل.
إن كتابه الشهير "تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة"، يتجاوز كونه كتابا يقدم معلومات عن الهند؛ فهو بحث يواجه صعوبات التعرف إلى عالم آخر. وبدلا من دخول هذا العالم بأحكام جاهزة، تعلم البيروني السنسكريتية، وتحدث إلى علماء الهند، وقرأ نصوصهم.
وعلى هذا الجهد قامت مقارناته بين الفكر الهندي والفلسفة اليونانية وآراء المتصوفة. الاقتراب من كلمات الآخر، دون الاستسلام لسهولة عرض أفكاره بكلماتنا نحن… تلك مسؤولية اضطلع بها قبل نحو ألف سنة، وما زلنا حتى اليوم لا نؤديها بما يكفي. ومن هذه الناحية، فإن منهج كتابه عن الهند لا يقل أهمية عن محتواه.
ليس تعلم اللغة هنا مجرد مهارة تواصل. إنه الوقوف على عتبة الباب المؤدي إلى فكر مجتمع ما، والإقرار بحدود معرفتنا. فقد يحمل مفهوم نجهل ترجمته تصورا كاملا للحياة. وقد يكون سلوك يبدو غريبا من الخارج جزءا من نظام ذي معنى بالنسبة إلى صاحبه.
وما يلفت انتباهنا في مسعى البيروني هو إرادته في ألا يصدر حكما قبل فهم هذا المعنى. إنه مسلم، ولا يتخلى عن إيمانه حين يدرس معتقدا آخر. لكنه يسعى إلى ألا يخلط بين إيمانه ومسؤوليته عن النقل الدقيق لما يؤمن به الآخر.
وحين نفكر في علم الاجتماع الفهمي عند ماكس فيبر، يصبح موقف البيروني هذا أكثر إثارة للاهتمام. فقد نبّه فيبر التقليد السوسيولوجي إلى ضرورة فهم نية الفاعل وقصده من فعله، قبل تقديم تفسيرات للفعل الاجتماعي تتوافق مع النظريات أو المفاهيم والتنميطات الجاهزة في أذهاننا.
ووفق هذا المنهج، الذي سماه علم الاجتماع الفهمي "verstehende Soziologie"، فإن الفهم يقتضي التوجه إلى المعنى الذي يضفيه الناس على سلوكهم. فوصف الحركة المرئية من الخارج لا يكفي لتفسير معناها الاجتماعي. وفهم ما يفعله الإنسان حين يدعو، أو يتبادل البيع والشراء، أو يتبع تقليدا، يستلزم البحث أيضا في المعنى الذي يمنحه لما يفعله. وهذا السؤال الأساسي في المنهج الذي طوّره فيبر في "الاقتصاد والمجتمع" يبدو مألوفا لنا حين نقرأ موقف البيروني من البحث.

ولهذا يمكن التفكير في البيروني بوصفه أحد الرواد الأوائل للمنهج الفهمي. ونحن هنا نتحدث عن تقارب في فهم المجتمع أكثر مما نتحدث عن سلسلة من التأثير والتأثر. فلجوؤه إلى العالم الفكري للهندوس، بدلا من تفسير سلوكهم بتسمية أُطلقت عليه من الخارج، يكشف عن شرط مهم للفهم. ومهما كان رأينا في صحة معتقدات الناس، فإن علينا البحث في معناها في حياتهم. والفهم لا يساوي الموافقة؛ لكن النقد السليم يحتاج أيضا إلى الفهم.

كما أن ظهور هذا الموقف في بيئة تاريخية شكلتها الفتوحات يستحق التوقف عنده. فقد جرى لقاء البيروني بالهند في سياق الحراك السياسي والعسكري في عهد محمود الغزنوي. واستفاد بحثه العلمي أيضا من الإمكانات التي أتاحها هذا العالم. لكن التفوق السياسي لا يوفّر من تلقاء نفسه معرفة بمجتمع آخر. فهناك مسافة طويلة بين فتح أبواب بلد والدخول إلى عالم أهله. والجهد الذي بذله البيروني في تعلم السنسكريتية يظهر إدراكه لهذه المسافة. وحتى في ظروف الفتح، ينبغي للباحث أن يكون قادرا على الجلوس تلميذا أمام الآخر لكي يتعلم منه.
وثمة سمة أخرى تجعل كتابه مثيرا للاهتمام، وهي أن الحدود التي نقيمها اليوم بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية لا توجد فيه بالصرامة نفسها. فالحسابات الفلكية، والجغرافيا، والمعرفة بالتقاويم، تجتمع مع المعتقدات والأعياد والعادات الاجتماعية في البحث نفسه. وانطلاقا من ذلك يمكننا التفكير في أن كيفية حساب الناس للزمن ليست منفصلة تماما عن كيفية عيشهم له. فالحساب الذي يحدد موعد عيد ما، والمعنى الاجتماعي لذلك العيد، جزآن من الحياة نفسها. والعقل الذي يقيس السماء يمكنه أن يتوجه أيضا إلى عالم المعنى لدى الإنسان على الأرض.
ويلفت البيروني كذلك إلى وجود أنماط مختلفة من التفكير والاعتقاد داخل المجتمع الواحد. فتفسيرات العلماء لا تتطابق دائما مع ممارسات الفئات الشعبية الواسعة. ولسنا مضطرين إلى تبني التمييز الذي أقامه بين الخاصة والعامة كما هو بلغة اليوم. لكن هذا التمييز يذكّرنا بصعوبة وصف دين أو ثقافة انطلاقا من مثال واحد. فكما أن نص فيلسوف لا يمثل حياة الشعب كله، فإن طقسا نصادفه لا يفسر تقليدا فكريا بأكمله. وانتباهه إلى هذه الاختلافات من الجوانب المهمة في بحثه. ويمكن قراءة مقاربة البيروني للفكر الهندي من هذه الزاوية أيضا.

وبمقارنته الفكر اليوناني بالفكر الهندي، وأقوال المتصوفة بالأفكار الموجودة في تقاليد أخرى، يبين البيروني أن الإنسانية لا تتكون، ولا يمكن أن تتكون، من عوالم منغلقة تماما بعضها عن بعض. وقد توجد صلات قرابة بين أسئلة تُعبَّر عنها بلغات مختلفة. ولا يستلزم ذلك جعل جميع المعتقدات متماثلة، أو التسليم مسبقا بوجود جوهر واحد ثابت وراء الاختلافات. فقيمة المقارنة تكمن في اكتشاف الأسئلة المشتركة، مع رؤية الفروق بصورة أوضح أيضا. وقد يكون اللقاء بفكرة مألوفة لنا لدى الآخر مناسبة لإعادة التفكير فيه وفي أنفسنا معا.
ونحن بحاجة إلى مثل هذا الانتباه حين ننظر إلى آسيا الصاعدة اليوم. نتحدث عن البلدان من حيث أحجام اقتصاداتها، وقوتها العسكرية، وطرقها التجارية. لكننا غالبا ما نبذل جهدا أقل في التعرف إلى عالم أهلها.
ولهذا ينبغي أن يتجاوز لقاء التراث التاريخي في أوزبكستان التقاط الصور. وعلينا بهذه المناسبة أن نستذكر أيضا الفكر الذي أوجد تلك المدارس، والطريقة التي عرف بها ذلك الفكر الإنسان، وأن نستخلص الدروس. وحين ننظر من سمرقند إلى تاريخ الفكر الاجتماعي، يصبح من الضروري أن نفسح للبيروني مكانا رحبا إلى جانب ابن خلدون.

الوسوم

#اليوم #عالم #العالم #الاجتماعي #ابن #حين #أيضا #الفكر #البيروني #أوزبكستان
عمان 1

ابقَ على تواصل

كن الأول في معرفة أخر المستجدات فور حدوثها

ابقَ اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى واتساب مباشرة فور النشر.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا
و سياسة الخصوصية.
تم الاشتراك بنجاح ✅
+962

اقرأ أيضاً